توحيد القلوب بدلا من توحيد المصالح
إن الشخص الذي أنعم عليه الباري بنعمة العلم يشبه ذلك الطائر الذي أنعم الله عليه بريش كثيف وقوي مخولا له التحليق في الأعالي، فلتكونوا أيها العلماء كطيور فريد الدين العطار التي طارت إلى سماء المعرفة الإلهية بدلا من التباهي بالريش والألوان والمتاع القليل.
يقول عارف بالله مخاطبا أحد طيور العطار : يا عبد عذرت من أجهلته بالجهل مكرت بمن أجهلته بالعلم.
ويقول أيضا سبحانه : (أضله الله على علم )
يقول العارف والفيلسوف الأندلسي محي الدين بن العربي:
اعتقد الناس في الله عدة عقائد وأنا اعتقدت كل ما اعتقدوه
ويرد عليه العارف الكبير مولانا جلال الدين الرومي بقوله :
لا تنظروا للقمر في الماء وانظروا إليه في السماء.
القمر واحد والأسماء متعددة ،الإسلام واحد والأسماء متعددة .
البعض منا رأى القمر في الماء والبعض الآخر رآه في السماء ولكن القمر هو هو لم يتغير في كلتا النظرتين، كذلك الإسلام، فالإسلام هو هو حتى وإن اختلفت رؤيتنا في تحديد معالمه الخالدة ، يبقى اسمه يدل عليه، الإسلام هو السلام، السلام مع النفس، السلام مع الكون، السلام مع الآخر.
والسؤال المطروح :
لماذا وجد هذا العارف كل ما اعتقد الناس من عقائد صحيحة؟
ولماذا صحح العارف الآخر رؤيتنا للقمر ؟
لتحديد الإجابة الكاشفة عن هذين السؤالين الهامين ، لا بد لنا من مقدمات تجعلنا نبتعد عن منطقة الجذب التعصبي الذي تجعل القارئ لمضمون الإسلام يتعصب لرأيه وهذه المنطقة بكل صراحة ووضوح هي تاريخ الإسلام، وهكذا نقول الإسلام ليس هو تاريخ الإسلام، كما أن معاني الإسلام هي معاني الإسلام ولست هي الإسلام، فلنقرأ الإسلام جميعا سنة وشيعة من وجهة نظر أخرى، بعيدين عن كل تلك المتاهات التي خنقت الحوار الإسلامي وجعلته عقيما ولتكن معاني الإسلام التي تحيي القلوب من أعماقها هي شعارنا الذي سوف نبحر به في بحر الوحدة الإسلامية، وليكن علماؤنا جميعا كالنساجين الذين سوف ينسجون سجادة الوحدة الإسلامية التي سوف يصلي عليها إمامنا المنتظر والذي سوف يولد ويظهر للجميع بإذن الله، فجميع علماء المذاهب الإسلامية بشروا بخروج إمام عادل في آخر الزمان يملأ الدنيا قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وزورا، فهنيئا لمن أبحر في بحر الوحدة الإسلامية مبتعدا عن منطقة الجذب التعصبي التي سوف يهلك فيها أبناء الإسلام من جميع مذاهبهم ومنطلقاتهم.
جاء رجل يهودي إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام ) وهو يحاول ملامة المسلمين لما جرى بينهم حول الخلافة فقال متهكما: ما دفنتم نبيكم حتى اختلفتم فيه!
وما أجمل ما أجاب به عليّ، وهو يقول: إنما اختلفنا عنه لا فيه، ولكنكم ما جفت أرجلكم من البحر حتى قلتم لنبيكم اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، فقال إنكم قوم تجهلون (نهج البلاغة، الحكمة: 317)
العبور إلى ذلك الطرف الآخر من البحر يحتم علينا جميعا أن نحاور ذواتنا المليئة بالأمراض والأحقاد والمهمة ليست سهلة كما أنها ليست مستحيلة.
بسند متصل إلى محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي،عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : ((من كان في قلبه حبة خردل من عصبية بعثه الله يوم القيامة مع أعراب الجاهلية )).
شرح الإمام الخميني قدس سره هذا الحديث بقوله: يقول الفقير إلى الله ، العصبية واحدة من السجايا الباطنية النفسانية. ومن آثارها الدفاع عن الأقرباء، وجميع المرتبطين به وحمايتهم، بما في ذلك الارتباط الديني أو المذهبي أو المسلكي، وكذلك الارتباط بالوطن وترابهن وغير ذلك من ارتباط المرء بمعلمه، أو بأستاذه، أو بتلامذته وما إلى ذلك. والعصبية من الأخلاق الفاسدة والسجايا غير الحميدة، وتكون سببا في إيجاد مفاسد في الأخلاقية والعلمية، وهي بذاتها مذمومة حتى وإن كانت في سبيل الحقن أو من أجل أمر ديني، من غير أن يكون مستهدفا لإظهار الحقيقة، بل يكون من أجل تفوقه أو تفوق مسلكه ومسلك عصبته، أما إظهار الحق والحقيقة وإثبات الأمور الصحيحة والترويج لها وحمايتها والدفاع عنها، فإما أنه ليس من التعصب، وإما أنه ليس تعصبا مذموما. انتهى قول الفقير.
ولكي نجعل كلامنا كلاما يرضى عنه خالقنا علينا أن نجتهد جميعا سنة وشيعة في إنشاء قناة فضائية تحمل شعار واحدا وهو الإسلام ولا شيء آخر. الإسلام الذي جاء لإحياء الإنسان من أعماقه، الإسلام الذي أتى لتوحيد الجنس البشري، الإسلام الذي يحيي دفائن العقول، الإسلام الذي جاء لتخليص الإنسان من عبودية الوهم المتمثل في نفسه والآخر صنم النفس الإنسانية، فقناة المنار الفضائية عملت في هذا المشروع الوحدوي ونجحت فيه ،إلا أنها تحتاج في كل ذلك إلى مساعدتنا جميعا لكي يكون لهذا المشروع الوحدوي فعالية في توحيد القلوب بدلا من توحيد المصالح.
كيف نوحد القلوب؟
توحيد القلوب المسلمين جميعا أمرا مستحيلا، لكن توحيد قلوب المؤمنين برسالة الإسلام هو أمر ممكن التحقيق، فعندما ندرك جميعا وحدة المصير وحدة الدين وحدة الخلق وحدة الرجوع إلى رب الأرباب نصبح أكثر التزاما وتناصحا وفهما لدين الله الخالص الذي جاء ليوحد الكلمة ويظهر الحق وينصر المستضعفين في الأرض، فهل يوجد عالم ينكر هذا على اختلاف مذاهبنا واتجاهاتنا؟
نعم لا يوجد عالم ينكر هذا الأمر لكن الأمر الذي يغيب هذا الأمر هو قسوة قلوبنا جميعا ( طال عليهم الأمد فقست قلوبهم) صدق الله علي العظيم.
والسؤال المطروح كيف نحي القلوب لكي تتوحد القلوب؟
فلكي تتوحد القلوب يجب أن نجعلها تحيى معاني الدين العميقة التي تخرج المتدين من النفاق إلى الإيمان، سوف يبدو الأمر وكأننا نريد أن نقحم المذاهب والاتجاهات الإسلامية في مذهب روحي أصيل نابع من فهم موحد للدين الإسلامي المنزل، هذا غير صحيح تماما لكون المذاهب والاتجاهات ستبقى هي الروافد والمنبع والأصل في كل هذا الاتحاد الإسلامي القلبي.
فعندما يتخلى كل علمائنا جميعا عن خصائص مذاهبهم ويجتهدوا في إحياء القلوب يكونون قد آمنوا بالوحدة التي تزرع روح المحبة الصادقة. فهذا القلب المجتمع هو قلب اجتمع على إحياء الأمة في زمن التداعي والتهاوي، فلم يبقى لنا إلا كل شيء وهذا هو كل شيء.
الخلاصة
كل من حاول أن يوحد الأمة الإسلامية عبر التاريخ الإسلامي فشل في ذلك وهذا راجع لكون الإسلام كان قويا في سعة رده على كل تلك الهجمات، لكن العصر الذي نتواجد فيه هو عصر لم يبق من الإسلام سوى حرفه وأصبح سلعة تباع وتشترى على القنوات الفضائية وأصبح إرهابا وأصبح مشروعا سلطويا وأصبح مستهلكا وأصبح فارغا من كل المعاني التي تجعل القلب يحيى حياة الإنسان المؤمن بالحقيقية التي مفادها الله لا إله إلا هو، فلكل أجل كتاب ولا بد لهذا المشروع الإلهي الخالد كتاب وأجل لكي يتخلص من معوقات ظهوره على المسرح العالمي الكوني ولم يعد أمامنا سوى الإخلاص لكلمة التوحيد الخالدة بقيادة حزب الله ( هذا السلاح ليس سلاحا شيعيا هكذا صرح السيد حسن نصر الله) حتى يظهر الحق الحقيق والعالم بالتأويل سيدي ومولاي الحجة على أهل الأرض جميعا من آمنت به الرسل والديانات والأحرار، على مر العصور مولانا المهدي عليه السلام وعجل ظهوره ونصر جنده. 1