السلام
سلِم من الآفات ونحوها أي برئ ... وأسلم أي انقاد , وتطلق أيضا على من يعتنق الإسلام .. وأسلم أمره لله أي فوضه فيه , وسالم زيد أي صالحه ... وسلم بالأمر أي رضي به .. وسلم على القوم أي حياهم بتحية الإسلام . والإسلام هو الخضوع والرضا بالمسلم به . وتطلق أيضا على الدين الذي نزله الله عز وجل على نبيه محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم . والسلم أي الصلح وقد يراد بها الإسلام . والسلام اسم من أسماء الله الحسنى , وهو يعني في اللغة البراءة من العيوب والنقائص .. ويشمل في ثناياه معاني متعددة كالسكينة والأمان والاستقرار والهدوء وابن القيم رحمه الله له حول هذا الاسم من الأسماء الحسنى قول مأثور جاء فيه ما يأتي : الله جل وعلا أحق بهذا الاسم من كل مسمى به , لسلامته سبحانه من كل عيب ونقص من كل وجه ... فهو السلام الحق بكل اعتبار , والمخلوق أي المخلوق له سلام بالإضافة , فهو سبحانه سلام في ذاته من كل عيب ونقص يتخيله وهو , سلام في صفاته من كل عيب ونقص , وسلام في أفعاله من كل عيب ونقص وشر وظلم وفعل واقع على غير وجه الحكمة , بل هو السلام الحق من كل وجه وبكل اعتبار , فعلم أن استحقاقه تعالى لهذا الاسم أكمل من استحقاق كل ما يطلق عليه , وهذا هو حقيقة التنزيه الذي نزه به نفسه ونزه به رسوله .... فهو السلام من الصاحبة والولد , والسلام من النظير والكفء والسمي والمماثل , والسلام من الشريك .. ولذلك إذا نظرت إلى أفراد صفات كماله وجدت كل صفة سلاما مما يضاد كمالها , فحياته سلام من الموت ومن السنة والنوم , وكذلك قيوميته وقدرته سلام من التعب واللغوب , وعلمه سلام من عزوب شيء عنه أو عروض نسيان أو حاجة إلى تذكر وتفكر , وإرادته سلام من خروجها عن الحكمة والمصلحة , وكلماته سلام من الكذب والظلم بل تمت كلماته صدقا وعدلا , وغناه سلام من الحاجة إلى غيره بوجه ما , بل كل ما سواه محتاج إليه وهو غني عن كل ما سواه , وملكه سلام من منازع فيه أو مشارك أو معاون مظاهر أو شافع عنده بدون إذنه , والوهيته سلام من مشارك له فيها , بل هو الله الذي لا إله إلا هو , وحلمه وعفوه وصفحه ومغفرته وتجاوزه سلام من أن تكون عن حاجة منه أو ذل أو مصانعة كما يكون من غيره , بل هو محض جوده وإحسانه وكرمه . وكذلك عذابه وانتقامه وشدة بطشه وسرعة عقابه سلام من أن يكون ظلما , أو تشفيا , أو غلظة , أو قسوة , بل هو محض حكمته وعدله ووضعه الأشياء مواضعها , وهو مما يستحق عليه الحمد والثناء كما يستحق علي إحسانه , وثوابه , و نعمه , بل هو وضع الثواب موضع العقوبة لكان مناقضا لحكمته ولعزته , فوضعه العقوبة موضعها هو من عدله , وحكمته , وعزته , فهو سلام مما يتوهم أعداؤه الجاهلون به من خلاف حكمته .. وقضاؤه وقدره سلام من العبث والجور والظلم , ومن توهم وقوعه على خلاف الحكمة البالغة ... وشرعه ودينه سلام من التناقص والاختلاف والاضطراب وخلاف مصلحة العباد ورحمته والإحسان إليهم وخلاف حكمته أي شرعه ودينه مطابق لحكمته عز وجل بل شرع كله حكمة , ورحمة , ومصلحة وعدل , وكذلك عطاؤه سلام من كونه معارضة أو لحاجة إلى المعطي , ومنعه سلام من البخل وخوف الإملاق , بل عطاؤه إحسان محض لا لمعارضة ولا لحاجة , ومنعه عدل محض وحكمة لا يشوبه بخل ولا عجز .... واستواؤه وعلوه على عرشه سلام من أن يكون محتاجا إلى ما يحمله أو يستوي عليه , بل العرش محتاج إليه وحملته محتاجون إلى ما يحمله أو يستوي عليه , بل العرش محتاج إليه وحملته محتاجون إليه , فهو الغني عن العرش وعن حملته وعن كل ما سواه , فهو استواء وعلو لا يشوبه حصر ولا حاجة إلى عرش ولا غيره ولا إحاطة شيء به سبحانه وتعالى , بل كان سبحانه ولا عرش ولم يكن به حاجة إليه وهو الغني الحميد , بل استواؤه على عرش واستيلاؤه على خلقه من موجبات ملكه وقهره من غير حاجة إلى عرش ولا غيره بوجه ما ..... ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا سلام مما يضاد علوه , وسلام مما يضاد غناه . وكمال سلام من كل ما يتوهم معطل أو مشبه , وسلام من أن يصير تحت شيء أو محصور في شيء , تعالى الله ربنا عن كل ما يضاد كماله .... وغناه وسمعه وبصره سلام من كل ما يتخيله مشبه أو يتقوله معطل وموالاته لأوليائه سلام من أن تكون عن ذلك كما ويوالي المخلوق المخلوق , بل هي موالاة رحمة , وخير , وإحسان , وير كما قال عز وجل : ( وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ) ..... فلم ينف أن يكون له ولي مطلقا بل نفي أن يكون له ولي من الذل .. وكذلك محبته لمحبيه وأوليائه سلام من عوارض محبة المخلوق للمخلوق من كونها محبة حاجة إليه أو تملق له أو انتفاع بقربه , وسلام مما يتقوله المعطلون فيها .. وكذلك ما أضافه إلى نفسه من اليد والوجه فإنه سلام عما يتخيله مشبه أو يتقوله معطل ... فتأمل كيف تضمن اسمه السلام كل ما نزه عنه تبارك وتعالى . وكم ممن حفظ هذا الاسم لا يدري ما تضمنه من هذه الأسرار والمعاني والله المستعان .... هذا ما جاء في حديث ابن القيم عن اسم الحق جل وعلا السلام . ولقد ذكرنا مرارا أن المتأمل لكون الله عز وجل لابد أن يلمس لكل صفة من صفات الحق تبارك وتعالى أثارا لا تحصى . والسلام اسم من أسماء الله الحسنى التي تمثل صفة من صفاته عز وجل , فإذا تأملت الكون ستجد أن السلام كامن في كل بقعة من بقاعه , فالكون يسير وفقا لنظام محكم وثابت لا يعتريه خلل ولا عطب .. الأرض التي نعيش عليها تدور بسرعة كبيرة حول نفسها .. وتدور في نفس الوقت حول الشمس بما يترتب على ذلك من تعاقب الليل و النهار وتعاقب فصول السنة .
ورغم هاتين الحركتين تجد أن الكون سلام من الأعطاب وسلام من الاضطرابات .. الشمس تحافظ على بعد ثابت من الأرض لا تتجاوزه بالنقص أو بالزيادة ... فلو اقتربت الشمس من الأرض لا حترقت كل الكائنات الحية .. ولو بعدت لتجمدت كل الكائنات من البرودة . الكواكب التي تدور في فلكها حول الشمس منها ما يمثل أضعاف أضعاف الكرة الأرضية من حيث الحجم والوزن .. فماذا لو خرجت إحدى هذه الكواكب عن مدراها فصدم الكرة الأرضية ؟ لا شك أنه سيصيب الأرض بدمار شامل .. وهب أن الأرض فقدت جاذبيتها للأجسام التي تعلوها ؟ ألن تتطاير تلك الأجسام إلى الفضاء الخارجي بلا ضابط ولا رابط وماذا لو ضعفت القشرة الأرضية أو تفككت ؟ ألن تسقط الكائنات الحية ضحايا للزلازل والبراكين ؟ إن الموجودات الكونية جميعها تؤدي عملها بلا توقف وبلا أعطال أو خلل , فالكون كله في سلام وأمان وسكينة واستقرار , وإن كان الحق جل وعلا يصيبنا ببعض الكوارث الطبيعية بين الحين والآخر , فإنها إصابة مقصودة ولحكمة الهية . فقد قلنا من قبل أن الحق تبارك وتعالى يريد بهذه الكوارث أن يجعلنا نذكره ونلجأ إليه لنطلب منه العون والنجاة . ويلاحظ أن هذه الكوارث تأتي في الغالب حين يكون هناك إعراض من الغالبية العظمى من الناس ... فتأتي الكارثة ليفيق الجميع من الغفوة , ويتذكر بعد النسيان . وقد تكون هذه الكوارث غضبا من الله عز وجل على من حلت بهم لتجعلهم عبرة للمؤمنين . وقد تكون تذكرة لنا بنعمة السلام الدائم الذي نعيش فيه ليل نهار دون أن نلتفت إليها فنقدم من الحمد والشكر لله ما يكافؤها .وقد غمرت صفة السلام الكون بعد بعثة المصطفى صلى الله عليه وسلم , فقبل الرسالة المحمدية كان الناس يعيشون في الجاهلية الأولى , وكانوا جميعا يفتقدون الأمن والسلام بسبب أعمالهم . لقد كانوا يرتكبون كل المعاصي والجرائم بلا وازع من دين أو ضمير .. شرب الخمر .. السرقة .. الزنا .. خيانة الأمانة .. الكذب ,, النميمة .. الغيبة .. الربا وغيرها من المعاصي التي تجلب معها التناحر والحروب .
وحتى الأديان السابقة لم تقض على حالة الفوضى التي عاشتها البشرية قبل الإسلام .. فالدولة الرومانية كانت تعتنق المسيحية ورغم ذلك لم تختلف طبيعة الحياة فيها عنها لدى القبائل الوثنية . وقد قرأنا عن الحروب الطاحنة التي كانت تشنها هذه الامبراطورية لكي تغزو سائر الدول وتضمها تحت رايتها .. فلما جاء الإسلام بعقيدته القويمة وعباداته ومعاملاته حل السلام الحقيقي بين الناس وانحدرت نسبة الجرائم لتوشك على الانعدام في بعض الدول الإسلامية .
وقد انتقلت الحضارة الإسلامية إلى دول أوروبا لتنقلها من ظلمات الجهل إلى نور العلم .. وهذه حقائق يرصدها التاريخ الأوربي نفسه وليست مجرد افتراء بدافع الإحساس بالنقص كما يدعي البعض . بمجيء الإسلام اجتمع السلام الكوني مع السلام بين الناس فصار الكون كله سلاما في سلام .. ولا ينقص هذه الحقيقة وجود بعض الخلافات والحروب بين بعض الدول , فالنزاعات والحروب سنن كونية .. وإنما الفيصل في الأمر هو حجم هذه الخلافات والحروب وما ينجم عنها من إخلال بالسلام الكوني . والإسلام سمي بهذا الاسم لما فيه من إسلام الوجه لله سبحانه وتعالى والخضوع له وطاعته .. ولما فيه من نشر السلام بين الناس . إن العبادات في الإسلام بما فيها من تذكرة دائمة للإنسان بخالقه ولما فيها من تدريب على ضبط النفس وقمع الأهواء وبما يتخللها من إرشادات ونصائح كخطبة الجمعة وكالاستماع إلى تلاوة القرآن الكريم في الصلاة وخارج الصلاة .. كل هذه المعاني الكامنة في العبادات الإسلامية تهذب النفس البشرية وتجعل الإنسان في سلام داخلي مع نفسه ومع خالقه ومع الكون المحيط به وتجعله في سلام مع غيره من الناس .
والإسلام قد نظم أيضا القواعد التي تحكم المعاملات بين الناس .. هذه القواعد تغطي جميع صور التعاملات .. وبها من القواعد العامة ما يكفي لاستنباط قواعد تفصيلية لكل ما يستجد من وجوه التعامل ونذكر من هذه التعاملات البيوع , السلم , الشفعة , الاجارة , الرهن , العتق , الهبة , الوصية وغير ذلك كثير . وتتسم هذه القواعد بتحقيق العدل بين الناس والتوازن بين مصالحهم المتعارضة , مما يؤدي إلى القضاء على أسباب المشاكل بين الناس على مستوى الأفراد والدول .. فيقيهم شر الحروب الطاحنة وينشر بينهم السلام والود والأمان . وفضلا عن ذلك . وضع الإسلام عقوبات معينة لكل من يرتكب جريمة من الجرائم كالقتل والزنا والسرقة وشرب الخمر وغيرها من الجرائم المخلة بالأمن والسلام بين الناس . . فمن يرتكب أيا من هذه الجرائم يعاقب بالعقوبة المحددة لها فتكون رادعة له ولكل من تسول له نفسه ارتكاب هذه الجريمة .
إنه نظام محكم شيده الإسلام لتحقيق السلام بين الناس أفراد ودولا .. وبين الإنسان ونفسه .. وبينه وبين خالقه عز وجل . ولن يوصف بالإسلام والسلام إلا من سلم المسلمون من لسانه ويده , وكيف يوصف به من لم يسلم هو من نفسه ؟ ويقول سفيان بن عيينة رضي الله عنه : أوحش ما تكون الخلق , ثلاثة مواطن : يوم يولد فيرى نفسه خارجا مما كان فيه , أو يوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم , ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم . قال : فأكرم الله فيها يحيى فخص بالسلام فقال : ( وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) كأنه أشار إلى أن الله عز وجل سلم يحيى عليه السلام من شر هذه المواطن الثلاثة وآمنة من خوفها . فعلى هذا إذا سلم المسلم على المسلم فقال : السلام عليكم .. فكأنه يعلمه بالسلامة من ناحيته ويؤمنه من شر وغائلته , كأنه يقول له : أنا مسلم لك غير حرب , وولى غير عدو . وقد أراد الحق سبحانه أن يكون الإسلام خاتما للأديان السابقة فقال : ( وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) وقال سبحانه : ( فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ) سورة الأنعام
والسلام نعمة من الله يكافئ بها رسله وعباده الصالحين .. كما قال جل وعلا : ( وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنيذٍ) وكما قال عز وجل : ( وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ) وكما قال سبحانه : ( َتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ* سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ) وكما قال وقوله الحق : ( وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ* سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ) وكما قال ربنا تبارك وتعالى : ( وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ* سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ) وكما قال سبحانه : ( وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ* سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ) وكما قال سبحانه : ( وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ* وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) وكما قال عز وجل : ( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) ولقد شاءت إرادة الحق جل وعلا ألا تكون الدنيا في سلام كامل لأنه لم يرد للدنيا أن تكون دار قرار .. ولكن الأمر يختلف في الآخرة حين يكافئ الله عز وجل عباده المؤمنين الطائعين بالجنة .. فقد شاء تبارك وتعالى أن تكون الجنة دار القرار .. دار النعيم الأبدي الذي لا يقطعه مثقال ذرة من شقاء دار السلام الكامل . فإذا كنا قد عانينا في الدنيا من الأمراض المختلفة فإننا سننعم في دار السلام إن شاء لنا المولى بالنجاة من النار بصحة دائمة لا يقطعها مرض حيث لا حكمة ولا مسوغ له حينئذ .. وإذا كنا قد تناحرنا وتحاربنا في الدنيا على متاع من متاعها فإننا سننعم في دار السلام بود لا يقطعه حسد أو حقد أو غل أو ضغينة .. ومن أين تأتينا هذه الآفات القلبية وليس في الجنة إنسان ينقصه شيء ... إن أقل أهل الجنة درجات سيكون لهم فيها ما تشتهي الأنفس وهو فيها خالدون . حين يلقى المؤمنون ربهم سيحيهم بتحية السلام . كما قال عز وجل : ( تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا ) وسوف تحييهم الملائكة بتحية السلام .. كما قال سبحانه : (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللّهُ الْمُتَّقِينَ*الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) وكما قال عز وجل : ( وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) وكما قال ربنا : (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ* هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ*مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ* ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ* لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) وبعد أن يدخلوا الجنة سيكون السلام تحيتهم الدائمة من الحق جل وعلا وفي ذلك يقول عز وجل : ( خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ) .. اللهم أخرجنا من الدنيا بسلام ... وابعثنا يوم القيامة آمنين في سلام واجعلنا من الخالدين في دارك ... دار السلام .
الجبـــــــــار
جبر فلان فلانا أي أغناه من فقر أو أصلح عظمه من كسر , وجبر الله فلانا أي سدحاجته .. وأجبره على الأمر أي أكره عليه . وكلمة جبار بدون ألف ولام التعريف تستخدم كصفة من صفات الأفراد , وفي هذه الحالة تكون بعني القهر والطغيان .. فهي في حق الإنسان صفة ذميمة , ويتجلى ذلك في العديد من الآيات القرآنية منها قوله تعالى :( وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) وقوله تعالى : ( وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) وقوله تعالي : (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) ولذلك ينفي الحق جل وعلا عن نبيه يحيى عليه السلام هذه الصفة فيقول : (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا* وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا*وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا* وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) كما نفاها أيضا عن نبيه عيسى عليه السلام فقال عليه لسانه : (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا* وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا* وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) ونفي الجبر هنا هو نفي للطغيان والقهر والتحكم في مخلوقات الله عز وجل لمنافع وأهواء شخصية .
أما الجبار بألف ولام التعريف فهو اسم من أسماء الله الحسنى .. وإن كانت صفة الجبر كوصف للمخلوق صفة ذميمة , فهي في حق الله عز وجل من الصفات الواجبة لكماله المطلق لأنها تعني أن الحق جل وعلا يجبر كسر عباده , فهو تبارك وتعالى الذي جبر الفقير حين شرع الزكاة والصدقات وجعل الحسنة بعشر أمثالها وبسبعمائة ضعف قابلة للزيادة . وعلمنا أن الصدقة توضع في يده قبل أن توضع في يد الفقير . وهو الذي جبر المريض حين جعل له أجرا إذا تقبل البلاء بالصبر والرضاء بقضاء الله عز وجل , وجعل زيارته زيارة له عز وجل . وهو الذي جبر عباده الطائعين له بأن يتولاهم برعايته وحفظه فيشعرون أنه عز وجل معهم في كل وقت وحين كمثل الضرير الفقير الذي يعبد الله حق عبادته ويتوكل عليه حق التوكل .. كان إذا وضع يده في جيبه يبحث عن مبلغ من المال ليقضي به حاجة في نفسه .. إما أن يجد مبلغا من المال لا يذكر من أين أتاه , أو يأتيه من يرد عليه السلام فيعطيه من المال ما يغطي حاجته . ومن معاني الجبار أيضا أنه سبحانه وتعالى قاهر يدين له كل شيء ويخضع له من سواه . والجبر بهذا المعنى ليس وصفا ذميما في حق الله عز وجل , لأنه تبارك وتعالى منزه عن كل ما يناقض كماله المطلق ... فالجبروت البغيض المذموم هو أن تقهر إنسانا عل مالا يريد , والحق تبارك وتعالى لا يفعل ذلك .. وإذا قهر جل وعلا مخلوقا على شئ فثق أن في هذا القهر مصلحة حتى وإن عجزت عن إدراكها . خذ على سبيل المثال : جسم الإنسان والذي يتكون من عدة أجهزة كالجهاز الهضمي والتنفسي والعصبي وخلافه .. تجد أن هذه أجهزة مقهورة قهرا إلهيا على العمل بالنحو الذي تعمل به . فالقلب مثلا يعمل بلا أدنى تدخل من الإنسان , كما أن الإنسان لا يستطيع أن يوقف قلبه عن العمل , وهكذا شأن سائر الأجهزة .. كلها تعمل بنظام ثابت ومحكم بلا تدخل من الإنسان لأنها مقهورة على أن تقوم بهذا العمل أو ذاك , فالقهر هنا نعمة من نعم الله عز وجل على الإنسان وينبغي أن نحمده على جبروته الذي أخضع له هذه الأجهزة . وإذا تأملت أيضا النظام الكوني وعلى وجه الخصوص المجموعة الشمسية تجد أن الشمس تدور حول نفسها بسرعة معينة .. كذلك الأرض وسائر الكواكب الأخرى تدور حول نفسها بما يترتب على ذلك من تعاقب الليل والنهار وتدور أيضا حول الشمس بما يترتب على ذلك من تعاقب فصول السنة . وهذه الدورات تتم في تناسق معجز يكفل انتظام تعاقب الليل والنهار وانتظام تعاقب فصول السنة .. ما الذي يجعل هذه الكواكب والتي هي أجسام جامدة تسير كأنها كائنات عاقلة حكيمة .. إنه الجبروت الإلهي .. الذي أخضع هذه الأجسام للإرادة الإلهية .. وهذا أيضا يستلزم منا الحمد لله عز وجل , لأنه لو لم يقهر الكون على هذا العمل المحكم المنظم لما دامت لنا حياة على الأرض . فالجبار كاسم ووصف من أوصاف الحق عز وجل يمثل صفة من الصفات الواجبة لكماله المطلق عز وجل . وإذا كان الجبر يرادف القهر في أحد معانية .. فإنه قهر يحقق النفع والمصلحة للإنسان ويدفع عنه الضرر . ومن معاني الجبروت أيضا أن الحق جل وعلا يمهل الظالم ويمد له مدا لعله يتذكر أو يخشى , فإذا أصر على ظلمه وتمادي في عناده أخذه تبارك وتعالى أخذ عزيز مقتدر .. وقد رأينا ذلك في قصة قارون والتي أخبرنا الحق عز وجل عنها فقال : ( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ* وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ* قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ* فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ*وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ*فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ* وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ) سورة القصص. وكذلك أخذ الله عز وجل بجبروته قوم لوط حين أصروا على الفاحشة فكانوا يأتون الرجال ويقطعون السبيل ويفعلون المنكر , وأخبرنا المولى عنهم فقال : (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ* أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ *قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ*وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ* قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ*وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ*إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ* وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) سورة العنكبوت ورأينا كيف أخذ الله عز وجل فرعون وقومه بجبروته حين أصروا على العناد والكفر وفي ذلك يقول جل وعلا : ( وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى* فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشَِهُمْ* وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى) سورة طه .إن الجبر الإلهي بكل معانيه صفة من صفات الكمال الإلهي المطلق .. ولا يستعمل الحق جل وعلا جبروته في موضع إلا تحقيقا لخير أو دفعا لشر .. وهو سبحانه مستحق للحمد على جبروته كما هو مستحق الحمد على رحمته ومغفرته وكرمه . فهو كما أخبر عن نفسه : ( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) سورة الحشر
المتكـــــــبر
كبر بفتح الكاف وكسر الباء أي أسن أو تقدم في العمر وكبر بفتح الكاف وضم الباء أي عظم وتعالى . والكبر أو الكبرياء تعنى العظمة أو العلو والرفعة . والمتكبر كوصف للعبد صفة ذميمة , ولكنها صفة من صفات المدح الواجبة للكمال الإلهي المطلق . فالعبد الذي يتكبر أي يتعاظم إنما يتكبر ويتعاظم على غيره من العباد , وهذا تكبر بلا مقتضى وبلا سند , فالناس سواسية كأسنان المشط مهما اختلفت درجاتهم , فاختلاف الدرجات والرتب لا يخرج أحدا عن كونه إنسانا , وكلنا في هذا الوصف سواء , وهو اختلاف لا يجعل أحدنا أعظم من أخيه , لأنه اختلاف لا فضل لنا فيه , إذ مرجعه إلى إرادة الله عز وجل وحكمته التي ذكرها في قوله تعالى : ( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) إن الآية الكريمة صريحة في أن الله عز وجل رفع بعضنا فوق بعض درجات , فلا فضل لنا إذن في ذلك , وإن قال أحد : إنما أوتيته على علم عندي أو عمل قمت به فإننا نقول له إن علمك وعملك أيضا هبة من الله عز وجل , وقد أراد سبحانه بهذا التفاوت أن يجعل كلا منا مسخرا للآخر . ولا يظن أحد أن هذا التفاوت يتنافى مع العدل الإلهي , ومن يظن ذلك فإننا نقول له : إنك فهمت الآية فهما خاطئا , لأن الله سبحانه وتعالى لم يقسم عباده قسمين .. قسم مسخر , وقسم مسخر , بل جعل كلا منا مسخر ومسخر في آن واحد , فالذي يعمل في تسليك المجاري ودورات المياه مسخر للطبيب والمهندس وغيرهما , وفي نفس الوقت فإن الطبيب والمهندس وغيرهما مسخرون لخدمة عامل المجاري .. بل إن ما يبذله عامل المجاري في عمله وما يرقيه من عناء لا يمثل مثقال ذرة مما عاناه الطبيب أو المهندس من الكد والعناء طوال سنوات الدراسة وتحصيل العلم الذي يمكنه من أداء الخدمة التي يؤديها لهذا العامل . فالكل إذن مسخر ومسخر وفقا لمعنى الآية السابقة , ومن أسباب التفضيل أيضا قوله تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) وهذه حكمة أخرى لتفاوت الدرجات ألا وهي الابتلاء , فالغنى مثلا يبتلي فيما أوتي من سعة الرزق .. هل سيخرج زكاة ماله ويؤتي الصدقات أم يكنز الأموال ؟ والفقير يبتلى هل سيصبر على ضيق ذات اليد .. أم يعترض ويسخط ؟ وهكذا الشأن في سائر النعم والنقم !! فإذا كان التفاوت بين العباد حادثا بإرادة الله عز وجل ولحكمته , وليس لنا فيه فضل , فإنه لا يصح أن يتصور أحدنا أنه أعظم أو أكبر من أخيه , ومن يتصور ذلك فهو متكبر , والتكبر في حقه صفة ذميمة , لأنه أراد أن يصف نفسه بما ليس لها , فمهما أوتي الإنسان من زينة الدنيا فهو إنسان وهو عبد الله عز وجل , ولن تخرجه ممتلكاته عن هذا الوصف , وقد أوضح لنا الحق جل وعلا موقفه من المستكبرين من خلقه وأوضح لنا جزاءهم يوم القيامة فقال سبحانه : ( الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) وقال عز وجل : ( وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وقال الحق سبحانه : ( إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ) وقد مدح الله عز وجل عباده الذين لا يستكبرون عن عبادته في العديد من الآيات القرآنية منها قوله تعالى : (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) سورة السجدة أما المتكبر كاسم من اسماء الله عز وجل وصفة من صفاته , فإنه من مقتضيات الكمال الإلهي المطلق , وهو لا يعني أن الحق تبارك وتعالى يتكبر على عباده كما يفهم السطحيون , وإنما يعني أنه جل وعلا عظيم بذاته ومتعالي فوق عباده بحكم كونه الخالق الموصوف بصفات الكمال المطلق وبحكم كونهم المخلوقين من العدم والقائمين به عز وجل ولا قيام لهم بدونه . والحديث عن الصفات الإلهية دون فهم معناها يوقع في الخطأ الجسيم والضلال المبين , وقد سمعنا من قبل مقولة أحد المستشرقين : أنه في الوقت الذي تصف فيه عقيدتنا السمحاء الخالق بالتواضع المطلق فإن الإسلام يصفه بالكبرياء المطلق , وهذا القول إن دل على شيء فإنما يدل على جهله بمفهوم الصفات الإلهية في الإسلام , فمفهومه للتكبر والتواضع بالنسبة لله عز وجل كمفهومة للتواضع والتكبر بين الناس , وشتان بين هذا وذاك . إن العلاقة بيننا وبين الله عز وجل فيما يتعلق بالتكبر والتواضع هي أن الحق تبارك وتعالى هو المتكبر أي العظيم بذاته والمتعالي بذاته ونحن المتواضعون له فإذا أردنا أن نتكبر على بعضنا البعض أو عليه عز وجل فقد خرجنا على مقتضى التواضع الذي هو صفة لصيقة بنا وهذا محرم شرعا , وقد قال جل وعلا في الحديث القدسي : العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني فيهما ألقيته في النار .. بينما التواضع في حق الله عز وجل خروج على مقتضى العظمة الذاتية والعلو الذاتي له جل وعلا , وهو تكلف غير جائز على الله تبارك وتعالى , وإذا قال زيد من الناس أنه يعامل الناس بتواضع فإنه في حقيقة الأمر متكبر , لأنه يشعر في دخيلة نفسه أنه أفضل منهم وأعظم منهم ومع ذلك فهو يعاملهم بتواضع , وإن جاز أن يوصف إنسان بأنه متواضع فإنه لا يجوز أن يوصف الله عز وجل بهذا الوصف لأن التواضع في اللغة من الضعة وهي الدنو , والدنو يليق بالمخلوق ولكنه لا يليق بالخالق عز وجل المتصف بصفات الكمال المطلق . والكبرياء الإلهي عصمة من الانقياد لاحد , إذ كيف ينقاد الحق عز وجل لغيره وهو المتكبر المتعالي عن صفات الخلق ولا يعلوه متكبر فسبحان المتكبر بربويته , المتكبر على الطغاة من خلقه الذي تذل له المخلوقات ولا يذل سبحانه لأحد , والكبر لا يليق بأحد من المخلوقين وإنما سمة العبيد الخشوع والتذلل وسبحان الذي جعل التواضع سمة من سمات خلقه , بينما الكبرياء صفة وصفات كماله , لصيقة بذاته , قديمة قدمه , وسبحان الذي قال عن نفسه وقوله الحق : ( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) كما قال سبحانه ( وَلَهُ الْكِبْرِيَاء فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) سورة الجاثية
الغفــــــــار
غفر في اللغة أي غطى وستر , وغفر الله لفلان أي ستره وعفا عنه , والغفار اسم من أسماء الله الحسنى , وقد عبر الحق جل وعلا عن صفة المغفرة لديه بالعديد من المشتقات منها الفعل الماضي غفر كما في قوله تعالى : ( قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ) ومنها المضارع يغفر كما في قوله تعالى : (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) ومنها صيغة المبالغة الغفور ما في قوله تعالى : ( ثُمَّ يَتُوبُ اللّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ومنها صيغة المبالغة الغفار وهو اسم من أسماء الله الحسنى كما في قوله تعالى : ( رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) ومنها المضاف والمضاف إليه غافر الذنب كما في قوله تعالى : ( غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ) ومنها أيضا المضاف والمضاف إليه خير الغافرين كما في قوله تعالى : (فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) ومنها المضاف والمضاف إليه ذو مغفرة كما في قوله تعالى : ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ) ومنها المضاف والمضاف إليه أهل المغفرة كما في قوله تعالى : ( وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) سورة المدثر
والحق تبارك وتعالى قد أكد لنا هذه الصفة وطلاقتها بتكرار المشتقات سالفة الذكر , فلو رجعت إلى كتابه العزيز وأردت حصر هذه المشتقات لشق عليك ذلك . ومن رحمة الحق عز وجل وحكمته أنه يغفر الذنوب , ولو أنه جل شأنه أغلق باب التوبة في وجه المذنب لتمادى في ذنوبه وترتب على ذلك هلاكه وهلاك المجتمع بأسره دنيا وآخره . وغفران الذنب للمذنب لا يتعارض مع العدالة الإلهية والتي كما قلنا من قبل تقتضي محاسبة كل إنسان وفقا لعمله . والعلة في ذلك أنه ليس هناك إنسان معصوم من الخطأ وارتكاب المعاصي والذنوب , وهذا يجعل المغفرة رحمة بالبشرية جمعاء لا بطائفة دون أخرى . والحق سبحانه وتعالى قد أوضح لنا أنه لا ذنب يعظم عن مغفرته وتتجلى هذه القاعدة في قوله تعالى : ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) فكلمة جميعا أفادت العموم والشمول , فمهما عظم الذنب .. أي ذنب فإن مغفرة الله عز وجل أعلى وأعظم .. وهذه القاعدة لا تتعارض مع الآيات التالية( : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلاَلاً بَعِيدًا* إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً*إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا) وقوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ) سورة النساء ويتجلى عدم التعارض بين القاعدة العامة وبين الآيات التي ذكرناها في قوله تعالى : ( إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) وقوله تعالى : ( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ* اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) فالقاعدة إذن أن الله عز وجل يغفر الذنوب جميعا ما دام الإنسان في إطار الإيمان الصحيح به جل وعلا , فإذا كفر بوجود الله عز وجل أو أشرك به فقد خرج عن إطار الإيمان . ومن الثابت أنه ليس بعد الكفر أو الشرك ذنب , فأعمال الكافر والمشرك ليست محل نظر , لأن أعماله الصالحة ليست لوجه الله عز وجل فلا يستحق عنها ثوابا , وأعماله الطالحة سينال عقابه عنها في إطار العقاب الأعظم على الذنب الأعظم هو الكفر أو الشرك , وفي ذلك يقول جل وعلا : ( وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) سورة البقرة ولكن ينبغي أن نلاحظ أن حرمان الكافر والمشرك من المغفرة مرتبط باستمرارية كفره وشركه , فإذا رجع عن كفره أو شركه , فالحق سبحانه وتعالى يغفر له , وفي ذلك يقول جل شأنه : (قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ) فالحق سبحانه وتعالى يقابل الرجوع الصادق عن الكفر والشرك بغفران ما قد سلف , وهذه نعمة ورحمة ومغفرة ليس لها حدود . وفي مجال الحديث عن المغفرة الإلهية نذكر لأحد المستشرقين قوله : إن المغفرة الإلهية كما يبدو من القرآن الكريم تمنح على غير أساس معلوم , وليس أدل على ذلك من الآية رقم 284 من سورة البقرة والتي جاء فيها قوله تعالى : ( فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء) ونقول ردا عليه : إن المغفرة والعذاب بيد الله عز وجل ولمن يشاء من عباده , نعم .. ولكن ذلك لا يعني أن المسألة تسير وفقا للهوى .. تعالى ربنا الملك الحق عن الهوى والظلم والتفرقة بين العباد . فالحق تبارك وتعالى إن شاء أن يغفر لأحد فثق أنه جدير بالمغفرة وإن شاء أن يعذب أحدا فثق أنه جدير بالعذاب . ونذكر مثالا لذلك قول النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم والذي ورد بصحيح البخاري وصحيح مسلم : كان رجل يسرف على نفسه فلما حضره الموت قال لبنيه إذا أنا مت فأحرقوني , ثم اطحنوني , ثم ذروني في الريح , فو الله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا فلما مات فعل به ذلك , فأمر الله تعالى الأرض , فقال اجمعي ما فيك منه ففعلت , فإذا هو قائم , فقال ما حملك على ما صنعت ؟ قال يا رب , خشيتك حملتني , فغفر له ... فإن دل هذا الحديث على شيء فإنما يدل على أن الخوف من الله عز وجل والذي يرجع إلى الإيمان الصادق به قد يجلب المغفرة , ودل أيضا على أن مغفرة الله عز وجل لا تعطي لعبد دون مبرر أو استحقاق ونذكر أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم والذي ورد في صحيح مسلم : أذنب عبد ذنبا فقال اللهم اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنبا , فعلم أن له ربا يغفر الذنب , ويأخذ به , ثم عاد فأذنب , فقال أي رب , أغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى عبدي أذنب ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب وبأخذ به , ثم عاد فأذنب , فقال أي رب اغفر لي ذنبي , فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به , اعمل ما شئت فقد غفرت لك ... إن هذا الحديث يدل أيضا على أن مغفرة الحق عز وجل لا تمنح إلا لمستحق , وهذا العبد الذي غفر له الله عز وجل كان دائم الاستغفار , وهذا يرجع إلى إيمانه الصادق بالله عز وجل وخشيته منه . وقول الحق اعمل ما شئت فقد غفرت لك .. لا يعني أنه جل وعلا أطلق له العنان ليبغي في الأرض الفساد ... تعالى المولى عز وجل عن ذلك .. فقد بدا من الحديث أن هذا العبد لم يكن يكرر نفس الذنب الذي يذنبه , والدليل على ذلك قوله جل وعلا : ثم عاد فأذنب .. ثم عاد فأذنب .. فلو كان العبد يعود إلى نفس الذنب لقال جل وعلا ثم عاد إلى ذنبه , يضاف إلى ذلك أن هذا العبد قد كشف أنه من ذوي النفس اللوامة , وصاحب هذه النفس دائما يرتقي في المعراج الروحي إلى أعلى حتى يصل إلى النفس المطمئنة إن شاء له الله ذلك , ولا يعود إلى الخلف أو يهبط إلى أسفل ... فالمغفرة في هذا الحديث رغم كونها مستقبلية إلا أنها مغفرة مترتبة على استحقاق العبد والذي يعلمه الحق عز وجل من علمه بنفس عبده , وعمله بالغيب .. إذن فهي ليست مغفرة عشوائية يعقبها طغيان من العبد وفساد في الأرض . ونذكر أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم والذي ورد في صحيح البخاري : تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم , قالوا : أعملت من الخير شيئا ؟ قال : كنت أنظر الموسر وأتجاوز عن المعسر , قال : فتجاوزوا عنه ... وهذا مثال آخر لعبد استحق المغفرة الإلهية لرحمته بالعباد وتجاوزه عما له في ذمة المعسرين . ومن رحمة الحق عز وجل أنه علمنا كيف نستجلب مغفرته فقال : ( يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) فالإيمان والتقوى إذن شريكان لابد من توافرهما لكي يغفر الله عز وجل للمستغفر . فمن يستغفر وهو كافر أو مشرك فلا مغفرة له , ومن يستغفر رياء دون خشية فعلية في قلبه وندم على الذنب فلا مغفرة له .. ولذلك كان المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وكما أخبرنا القرآن الكريم دائم الدعوة لمن حوله قائلا :( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم يكون بالإيمان بالله عز وجل وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر .. وليس الإيمان القلبي فحسب بل الإيمان القلبي الذي يصدقه العمل ... فمن آمن وعمل صالحا , صار في الإمكان أن يغفر له الله عز وجل ما اقترفه من ذنوب أن تاب وأناب . والحق سبحانه وتعالى يأمر عباده بدوام الاستغفار حيث يقول(فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ) وقوله تعالى : ( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ) وقوله تعالى : (ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) . لذلك فإن ملائكة الله عز وجل وأنبياءه ورسله كانوا دائمين على الاستغفار . فالملائكة يستغفرون للمؤمنين كما ورد في قوله تعالى : (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) سورة غافر ورسول الله موسى عليه السلام بعد أن وكز الرجل الذي من عدوه فقضى عليه . شعر بالندم والأسى على ذلك رغم أنه لم يكن يقصد قتله , فاستغفر ربه كما جاء في قوله تعالى : (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) ونوح عليه السلام يطلب المغفرة له ولوالده و للمؤمنين كما في قوله تعالى : ( رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا) وسليمان عليه السلام وكما أخبرنا المولى عز وجل : ( قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) وإبراهيم عليه السلام قال كما حكى القرآن الكريم : ( فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ* الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ*وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ* وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ* وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ* وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) والمصطفى عليه أفضل الصلاة أتم التسليم والذي غفر له الله عز وجل ما تقدم من ذنبه وما تأخر كما أخبرنا الحق عز وجل : (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) سورة الفتح رغم ذلك كان يداوم على الاستغفار , وقد ورد في صحيح البخاري أنه قال : رب اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري كله , وما أنت أعلم به مني , اللهم اغفر لي خطاياي وعمدي وجهلي وهزلي وكل ذلك عندي , اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت , وما أسررت وما أعلنت , أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير .... كما ورد في صحيح مسلم أنه قال : إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة ... وحين غفر له المولى عز وجل ما تقدم من ذنبه وما تأخر لم يكن يقصد فتح باب المعصية على مصراعيه أمام النبي .... كلا ..... إنها المغفرة المبنية على علم الحق تبارك وتعالى بما عليه النبي من إيمان صادق مصدق بالعمل , وكشفه للغيب المستور والذي علم به أن هذه المغفرة سوف تزيد النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم طاعة فوق طاعته , حمدا فوق حمده , والنبي كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه , فقال له : غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال : أفلا أكون عبدا شكورا ؟ والحق تبارك وتعالى رحمة بأمة المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم قد منحنا سبلا للخلاص من الخطايا و للمغفرة الشاملة .. منها حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا .. فقد ورد عن النبي أنه قال : من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه .... وأيضا الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ... حيث ورد عن النبي أنه قال : الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة تكفر ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر .... والصلاة بعد الذنب والاستغفار .. كما أخبرنا النبي حين قال : ما من عبد يذنب ذنبا فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ثم يستغفر الله إلا غفر الله له ... وليس ذلك فحسب بل إن المولى عز وجل قد جعل استغفار الأبناء للآباء بعد وفاة الأباء مسقطا للذنوب , وقد ورد عن النبي أنه قال : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث , صدقة جارية وعلم ينتفع به , وابن صالح يدعو له ... كما قال أيضا : إن الرجل لترفع درجته في الجنة باستغفار ولده .. وخير ما نختم به حديثنا دعاء لأحد العارفين قال فيه : اللهم اغفر لي تقصيري في حق نفسي وفي حقك من حيث كونك الآمر الناهي الواجب له الطاعة لا من حيث افتقارك إلى عبادتي .. وقول الحق عز وجل : (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا*يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا*وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا) سورة نوح
الرحمن الرحيم
الرحمن .. اسم مشتق من الفعل ( رحم ) والرحمة في اللغة هي الرقة والتعطف والشفقة , وتراحم القوم أي رحم بعضهم بعضا والرحم القرابة . والرحمن اسم من أسماء الله الحسنى , وهو مشتق من الرحمة وهو اسم مختص بالله تعالى لا يجوز أن يسمى به غيره , فقد قال عز وجل ( قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ) معادلا بذلك اسمه الرحمن بلفظ الجلالة الذي لا يشاركه فيه أحد , ورحمن على وزن فعلان وهي صيغة مبالغة تدل على الكثرة والزيادة في الصفة .
والرحيم .. اسم مشتق أيضا من الفعل رحم .. والرحمن والرحيم من صيغ المبالغة .. يقال راحم ورحمن ورحيم .. فإذا قيل راحم فهذا يعني أن فيه صفة الرحمة .. وإذا قيل رحمن تكون مبالغة في الصفة , وإذا قيل رحيم فهي أيضا مبالغة في الصفة , والله سبحانه وتعالى رحمن الدنيا ورحيم الآخرة . ولا يظن أحد أن صفات الله سبحانه وتعالى تتأرجح بين القوة والضعف , وإياك أن تفهم أن الله تأتيه الصفة مرة قليلة ومرة كثيرة , بل هي صفات الكمال المطلق .. ولكن الذي يتغير هو متعلقات هذه الصفات اقرأ قول الحق تبارك وتعالى : (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ) سورة النساء هذه الآية الكريمة .. نفت الظلم عن الله سبحانه وتعالى ثم تأتي الآية الكريمة (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) . ونلاحظ هنا استخدام صيغة المبالغة ظلام .. أي شديد الظلم ويظن البعض أن قول الحق سبحانه وتعالى ( لَيْسَ بِظَلَّامٍ) لا تنفي الظلم ولكنها تنفي المبالغة في الظلم . نقول لهؤلاء : إنكم لم تفهموا المعنى الصحيح , لأن الله سبحانه وتعالى لا يظلم أحدا . فالآية الأولى نفت الظلم عن الحق تبارك وتعالى ولو مثقال ذرة بالنسبة للعبد . والآية الثانية لم تقل للعبد ولكنها قالت للعبيد .. والعبيد هم كل خلق الله .. فلو أصاب كل واحد منهم أقل من ذرة من الظلم مع هذه الأعداد الهائلة , فإن الظلم يكون كثيرا جدا , ولو أنه قليل في كميته , لان عدد من سيصاب به هائل . ولذلك فإن الآية الأولى نفت الظلم عن الله سبحانه وتعالى , والآية الثانية نفت عنه الظلم أيضا .. ولكن صيغة المبالغة استخدمت لكثرة عدد الذين تنطبق عليهم الآية الكريمة نأتي بعد ذلك إلى رحمن ورحيم . رحمن في الدنيا لكثرة عدد الذين تشملهم رحمته فيها , فرحمة الله في الدنيا تشمل المؤمن والعاصي والكافر .. يعطيهم الله مقومات حياتهم لا يؤاخذهم بذنوبهم , ويرزق من آمن به ومن لم يؤمن به , ويعفو عن كثير . إذن عدد الذين تشملهم رحمة الله في الدنيا هم كل خلق الله بصرف النظر عن إيمانهم أو عدم إيمانهم , ولكن في الآخرة الأمر مختلف , فالله رحيم بالمؤمنين فقط .. فالكفار والمشركون مطرودون من رحمة الله . إذن الذين تشملهم رحمة الله في الآخرة أقل عددا من الذين تشملهم رحمته في الدنيا .. فمن أين تأتي المبالغة ؟ تأتي المبالغة في العطاء وفي الخلود في العطاء .. فنعم الله في الآخرة أكبر كثيرا منها في الدنيا .. المبالغة في الآخرة بخصوصية العطاء وكثرة النعم والخلود فيها . والرحمة الإلهية تشمل في ثناياها العديد من الصفات , فمن رحمة الله تبارك وتعالى أنه الغفار .. الوهاب .. الرزاق .. الشكور .. الكريم .. الواجد .. التواب .. العفو .. الهادي . ورحمة الحق جل وعلا تغمر المخلوقات جميعا منذ أن خلقها وإلى أن نقف بين يديه , فيدخلها جنته أو يذيقها عذابه . وإذا تأملنا الكون المحيط بنا تجلت لنا رحمة الله عز وجل في كل صغيرة وكبيرة .. فالحق تبارك وتعالى كان رحيما بنا حين خلقنا من العدم المطلق , ودون أن يكون لنا سابقة وجود , ودون أن نطلب منه ذلك , وكيف نطلب ولم نكن ساعتئذ شيئا مذكورا كما قال جل وعلا : ( هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا ) سورة الإنسان وكان رحيما بنا حين أعد لنا هذا الكون الفسيح , موفرا لنا كل مقومات الحياة من قبل أن نظهر في مرآة الوجود . فالشمس تحافظ على بعد ثابت من الأرض , وهذا البعد الثابت يضمن لنا قدرا ثابتا من الحرارة .. لا يزيد فتقتلنا الحرارة , ولا ينقص فتقتلنا البرودة , والهواء يحيط بنا ويحوي الأوكسجين اللازم لعملية التنفس وأكسدة المواد الغذائية كي تنطلق الطاقة التي تكفل للجسم القيام بوظائف والماء الذي يمثل معظم مساحة الكرة الأرضية بما له من وظائف غير محصورة في جسم الإنسان , هذا فضلا عن استخدامه في الطهارة التي تقي الإنسان شر الأمراض والآفات . ومن رحمته عز وجل أنه جعل في الهواء من الخاصية ما يمكنه من حمل الطيور الطبيعية والصناعية وهي الطائرات التي ابتكرها الإنسان في العصر الحديث ! وجعل في الماء من الخاصية ما يمكنه من حمل السفن العملاقة التي تحمل الناس بأمتعتهم مئات بل آلافا من الأميال إلى أماكن لم يكونوا بالغيها إلا بشق الأنفس أو غير بالغيها أبدا . فالحق جل وعلا كان يعلم أزلا أن الأرض سوف تعمر بنسل آدم وسيصبح من الضروري أن تستجد وسائل مواصلات أكثر قوة وسرعة تسهل عليه التنقل عبر المسافات المتباعدة , فلولا الطائرات والسفن ما كان الإنسان ليصل إلى الأمريكتين أو إلى قارة استراليا مثلا .. وما كان التعامل بين دول العالم ليصل إلى ما وصل إليه . إن مرحلة إعداد الكون لم تكن مقصورة فقط على توفير مقومات الحياة البدائية التي عاشها الإنسان في بدء الخليقة .. بل إن الحق جل وعلا قد وضع في الكون عناصر ومواد , وهو يعلم أن استخدامها سيحين بعد آلاف أو ملايين من السنين حينما يزحف العمران على سطح الكرة الأرضية . خذ على سبيل المثال عنصر البترول الذي يمثل أهم مصادر الطاقة والذي تستخدمه الطائرات والسيارات والماكينات المختلفة في دورتها الحركية . انظر إلى سائر العناصر التي استخدمها الإنسان في صناعة المبتكرات الحديثة .. هل وجدت هذه العناصر في باطن الأرض بمحض الصدفة .. إنه الجهل بعينه أن نتصور كما تصور الشيوعيون أنها موجودة بالصدفة المحضة .. لأن الحقيقة التي قررها القرآن الكريم ويقبلها العقل وتطمئن لها الفطرة السليمة .. هي أن الله تبارك وتعالى هو الذي خلق هذه العناصر , فقد قال جل وعلا : ( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ) سورة الزمر وبعد أن خلقها ادخرها في باطن الأرض حتى يمكن الإنسان من الاستفادة بها في وقت الحاجة إليها .. وحتى يستطيع بنو آدم التواؤم مع الظروف الجديدة والمتمثلة في زيادة أعدادهم وانتشارهم عبر جميع بقاع الكرة الأرضية . وإذا تساءلنا : هل كان الإنسان ليستطيع أن يتنقل بين أماكن بينها آلاف الأميال لولا وسائل المواصلات الحديثة ؟ وهل كان يستطيع الاتصال بأبناء جنسه المقيمين بالأقطار المختلفة لولا أجهزة الاتصال السلكية واللاسلكية ؟ . بالطبع ما كان الإنسان ليستطيع ذلك لولا وسائل المواصلات وأجهزة الاتصال .. وما كان أيضا ليستطيع أن يتوصل إلى هذه الاختراعات أعدها الله جل وعلا برحمته سلفاً وادخرها في باطن الأرض حتى يحين وقت استخدامها . وبعد أن أعد لنا عز وجل هذا الكون , أعد لنا في بطون أمهاتنا رحما رحيما بنا يأتينا فيه الرزق .. بلا حول وقوة .. رزقا منه تبارك وتعالى بلا تعب ولا مقابل .. يقول عز وجل في الحديث القدسي : أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته , ومن قطعها قطعته . ومن رحمته جل وعلا أنه ينبت لنا من الأرض الجدباء طعاما نأكله وفي ذلك يقول تبارك وتعالى : (فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ) سورة الروم ومن رحمته أنه جعل لنا الليل سكنا لنجد فيه الراحة والسكينة بعد عناء العمل , وجعل لنا النهار للسعي والعمل واكتساب القوت فقال عز وجل : ( وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ) سورة القصص ومن رحمته أنه أرسل الرسل بالرسالات السماوية إلى الناس كافة ليخرجهم من الظلمات إلى النور , وأرسل رسوله محمدا عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم خاتم الأنبياء والمرسلين بالهدى ودين الحق ليكون رحمة للعالمين فيقول تعالى : ( وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) سورة الأنعام ويقول سبحانه : ( أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) سورة الأعراف ويقول عز وجل : ( وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) سورة الأعراف فالقرآن الكريم الذي أنزل على خاتم النبيين والمرسلين هو الرحمة العظمى التي جاد بها الله عز وجل على بني آدم , فمنهم من قبلها ومنهم من أعرض عنها . القرآن الكريم هو الذي أخرج المؤمنين من ظلمات الجهل إلى نور الإيمان , ونقلهم من العقائد الواهية التي بنيت على الوهم والظن إلى عقيدة قويمة بنيت على اليقين الذي لا يقبل الشك . فمن آمن بالقرآن الكريم واتبع أوامره وانتهى عن نواهية كان له نور وشفاء و رحمة , وفي ذلك يقول تبارك وتعالى ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) سورة النحل ويقول سبحانه : ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) ويقول تبارك وتعالى : ( وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) سورة الأعراف ويقول الحق سبحانه : (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ* هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ) ويقول جل جلاله : ( فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ) سورة الأنعام ومن رحمته جل وعلا أنه بين لنا موجبات رحمته , وعرفنا السبيل إلى استجلابها , فقال تعالى : إن رحمت الله قريب من المحسنين فأوضح بذلك أن رحمته تبارك وتعالى تكون قريبا من عباده المؤمنين به , الطائعين له .. فهؤلاء يتغمدهم برحمته .. فينجيهم من كروب الدنيا ويبعثهم يوم القيامة .. يوم الفزع الأكبر .. آمنين . ألم ينج الله عز وجل هودا عليه السلام من قوم عاد بعد أن كفروا بما جاءهم من عقيدة التوحيد واتهموه بالسفاهة وكادوا يفتكون به وبمن اتبعه من المؤمنين ؟ وفي ذلك يقو ل عز وجل : ( فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ) سورة الأعراف وصالح عليه السلام حين أمر قومه ألا يقربوا الناقة وأن يذروها تأكل في أرض الله ولا يمسوها بسوء فعقروها فأصابتهم الصيحة ونجي الله صالحا ومن آمن معه , وفي ذلك يقول جل وعلا : ( فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) سورة هود كما قال عز وجل عن شعيب عليه السلام : (وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) سورة هود ولعلنا لا ننسى في هذا المدار أهل الكهف وكيف أن الله تبارك وتعالى قد جعلهم عبرة ودليلا على أن الإيمان القويم المصحوب بالصدق في القول والعمل يستجلب رحمة الله لتغمر المؤمن به الملتزم بطاعته ولتجعل له الصعب سهلا . إن قصة أهل الكهف .. هي قصة كل قوم يفرون من الطغاة الذين يحاولون حملهم قسرا على الكفر بالله .. فيفروا بدينهم .. لقد اختبأ الفتية في كهف . إن الله سبحانه وتعالى يصفهم في كتابه الكريم بقوله : ( انهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) وبهذه الصفة علمنا أن أهل الكهف .. لم يكونوا من الشيوخ الضعفاء , أو مجموعة من النساء .. إنما هم فتية .. أي فيهم شباب وفتوة , وأنهم آمنوا بربهم .. أي أنهم فتية مؤمنون بالله .. وأن الله سبحانه وتعالى لما آمنوا به زادهم إيمانا وهدى من عنده .. فالله جل جلاله يزيد المؤمن إيمانا .. ويعينه على الطريق مادام إيمانه صحيحا وقويا .. مصداقا لقول الحق سبحانه وتعالى : ( وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ) سورة محمد إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أنه يعين المؤمن على طريق الإيمان فيزيده من فضله . هؤلاء الفتية خافوا على دينهم وخافوا على عقيدتهم من أن يجبرهم حكامهم على عبادة غير الله .. ففروا بدينهم إلى كهف في الجبل .. يختبئون فيه من الطغاة الكفرة .. والكهف مكان ضيق .. لا يستطيع الإنسان أن يمضى فيها إلا وقتا قصيرا .. وأقرأ قول الحق جل وعلا : ( وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا) سورة الهكف الحق سبحانه وتعالى يريد منا أن نعلم .. أن هذا الكهف الضيق .. الذي بفكرنا البشري وتفكيرنا المادي نظن أنه سيضيق عليهم مكانا بمساحته الصغيرة .. وزمانا بأنه لا أحداث فيه .. هذا الكهف إن ضاق عليهم مساحة , فلن يضيق عليهم انعاما .. فرحمة الله سبحانه وتعالى ستجعل هذا المكان الضيق يبدو رحبا واسعا .. فلا يحسون بضيق المكان والزمن يتوقف فيه فلا يحسون بضيق الزمان .. بل تأتي رحمة الله لتحيط بهم . إن هذا يلفتنا إلى أن كل من يفر بدينه .. إلى مكان غير الذي يقيم فيها , ومهما كان هذا المكان ضيقا فإن الله برحمته يجعله واسعا رحبا . فإن كان هذا المكان فيه ضيق في الرزق .. فتح الله للمستمسك بدينه من أبواب الرزق ما يجعله أغنى الأغنياء . وإذا كان هذا المكان يضيق بالغرباء ..أي لا يرحب فيه بغريب .. وضع الله من رحمته في قلوب سكان هذا المكان ما يجعلهم أشد الناس ترحيبا به وإن كان هذا المكان ضيقا بمن فيه أي مزدحما أوجد الله له مكانا متسعا يعيش فيه . لقد غمر الله أهل الكهف برحمته مكافأة لهم على الفرار بدينهم فلم يجعلهم يفكرون في أنهم مضطهدون حتى لا يعيشوا في قلق ورعب من أن يلحق بهم الطغاة الكفرة , أو يكتشفوا مخبأهم , كما أزال من حياتهم همّ البحث عن الطعام والشراب , لأن عملية البحث كانت ستعرضهم لظروف قاسية كل يوم .. هي أن يخرج أحدهم من الكهف ليأتي لهم بطعام وشراب , وهو يتلفت حوله خوفا من أن يراه أحد أعوان الطغاة , فيرشدهم إلى الكهف .. أو أن يتتبعه أحد فيكشف سرهم .. لذلك ألقى عليهم آمنة نعاسا أي ألقى عليهم النوم في الكهف .. فلا يشعر بهم أحد , ولا يشعرون بالوقت .. ولا يحتاجون إلى طعام وشراب . وهكذا نجاهم الله برحمته من كل ضيق دنيوي .. فلا هم أحسوا بضيق المكان , ولا أحسوا بملل الزمان , ولا أحسوا بقلق توقع الخطر , ولا أحسوا بضيق حياتهم .. بل الله تبارك وتعالى برحمته المطلقة أذهب الضيق تماما .. وكانت هناك آيات بقدرة الله تولتهم بعنايته ورحمته . ونبي الله أيوب عليه السلام حين اشتد عليه البلاء فالتزم الصبر ولم يخرج عن حدود الإيمان القويم غمره الله برحمته ورفع عنه البلاء وأعاده إلى حال أحسن من حاله قبل البلاء وفي ذلك يقول تبارك وتعالى : ( وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) ويقول جل وعلا عن إدريس وإسماعيل وذا الكفل عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة أتم التسليم : ( وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ*وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) سورة الأنبياء ورحمة الله لا تقتصر على المؤمنين الطائعين فقط بل تمتد لتشمل ذريتهم من بعدهم تكريما لهم وسكينة لأنفسهم .. وقد رأينا ذلك في قصة العبد الصالح والجدار والتي قال عنها المولى عز وجل : ( وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ) إن الآيات القرآنية الكريمة التي جعلت الإيمان بالله تبارك وتعالى وطاعته سببا لاستجلاب رحمته عديدة .. فقد قال جل وعلا : ( وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) وقال جل شأنه : ( يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) وقال سبحانه وتعالى : ( فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) سورة الحجرات ولعل في سيرة المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم خير دليل على العلاقة الوطيدة بين إيمان العبد ودخوله في رحمة الله . فنبينا عليه الصلاة والسلام لا يضاهي في كمال إيمانه وشدة طاعته والتزامه . ولذلك كان صلى الله عليه وسلم مشمولا برعاية الله ورحمته في كل لمحة ونفس منذ أن شرف الوجود بمولده وإلى أن لقي ربه عز وجل .. ألم تشمله الرحمة الإلهية في الغار إذ أوشك أن يعثر عليه كفار قريش ؟ وفي ذلك يقول تبارك وتعالى : ( إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ألم تشمله الرحمة حين التفت الكفار حول داره يريدون قتله والخلاص من رسالته .. فأعمى الله عيونهم عنه وخرج آمنا مطمئنا إلى حيث غايته , وفي ذلك يقول الحق جل وعلا : ( وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ) سورة يس كم من المعارك الضاربة خاضها المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو على رأس أصحابه , وكم من محاولة غادرة ماكرة حاكها الكفار والمشركون للخلاص منه ومن رسالته .. ولكن هيهات ... هيهات أن يتحقق ما ينشدون . فالحق سبحانه وتعالى رحمة بالبشرية جمعاء شمل نبيه بعنايته ورحمته وشمل الرسالة برعايته وحمايته , حتى يخرج الناس من الظلمات إلى النور وقد قال جل وعلا : ( وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) وقال سبحانه ( وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) ومن رحمة المولى تبارك وتعالى أنه كتب على نفسه الرحمة كما ذكرت في قوله تعالى : ( كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ) وكما قال سبحانه : ( فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) وهذه الكتابة لا تنفي أن الرحمة صفة أصيلة له .. متعلقة بذاته .. ولكي نفهم ذلك ينبغي أن ندرك أن صفات الله عز وجل لا ترغمه على أن يتصرف وفقا لها .. بمعنى أنه عز وجل رحيم , والرحمة صفة أصيلة له , متعلقة بذاته .. ولكننا نرى أحيانا انه سبحانه يعامل بعض مخلوقاته بلا رحمة , لأنه إن شاء ذلك فعل .. فهو سبحانه وتعالى لا يحكم بغيره .. ولا يفرض عليه شيء .. ومع ذلك فقد اختار جل وعلا أن يفرض على نفسه معاملة خلقه بمنتهى الرحمة .. فكان الفرض منه وعليه ورحمة الله قد وسعت كل شيء , فشملت المؤمن والكافر , المطيع والعاصي , الحيوان والنبات , بل وشملت الجماد أيضا .. وقد قال جل وعلا : ( قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) وقال تعالى : ( رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا) سورة غافر ولعلك تشعر بالرحمة الفياضة إذا تأملت قطة ترضع صغيرتها أو أسدا يداعب شبله في معركة لا يلحق الصغير منها أذى .. إنها رحمة الله التي لم تترك صغيرة ولا كبيرة في الكون إلا غمرتها . ولقد قلنا مرارا إن الله عز وجل رحمن الدنيا ورحيم الأخيرة .. فرحمانيته في الدنيا شملت جميع خلقه .. المؤمن والكافر والطائع والعاصي بينما يختلف الأمر في الآخرة , إذ أن رحمته ستشمل المؤمنين فقط فكما شملتهم في الدنيا باسمه الرحمن فإنه سوف يشملهم في الآخرة باسمه الرحيم فيغفر لهم خطاياهم ويرحمهم ويدخلهم جنته برحمته , وفي لك يقول جل وعلا : ( أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ويقول سبحانه : ( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ ) ويقول وقوله الحق : ( سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) سورة التوبة وإذا تتبعنا اسمه عز وجل الرحمن في الآيات القرآنية التي ورد فيها وكذلك إذا تتبعنا اسمه الرحيم لتأكد لدينا أنه رحمن الدينا ورحيم الآخرة . خذ على سبيل المثال قوله تعالى : ( يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا*يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا) ولقد ورد اسم الرحمن في الآيتين السابقتين ولم يرد اسم الرحيم .. وذلك لأن رحمانية الله في الدنيا شملت جميع خلقه . ولو لم تشملهم جميعا لما أمهل الله عز وجل الشيطان إلى يوم القيامة , ولما أمهل آزر رغم أنه متمسك بشركه وكفره وتأمل أيضا قوله تعالى : (لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَـنِ) وقوله سبحانه : ( قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا) فعلى الرغم من كفر الكافرين , وضلالة الضالين .. تجد أن الحق جل وعلا يشملهم برحمانيته فيمهلهم ويمد لهم في الوقت لعلهم يذكرون أو يخشون . وبينما تدل الآيات التي ورد فيها اسم الرحمن على شمول الرحمانية لجميع المخلوقات في الدنيا , نجد أن اسم الرحيم لا يرد في الغالب إلا مع المؤمنين الطائعين أو التائبين النادمين وتجلى ذلك في قوله تعالى : ( فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) وقوله سبحانه : (أُوْلَـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) وقوله تعالى : ( فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ومن كمال رحمته جل وعلا أنه لا يأخذ الكافر والمشرك والعاصي بذنوبهم على الفور .. بل يمد لهم ويمهلهم لعلهم يرجعون . وفي ذلك يقول تبارك وتعالى : ( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا) يأخذ الجميع ثم يتغمد عباده برحمته .. فيقيهم عذاب ناره , ويسكنهم فسيح جناته . وإن كانت رحمة الله عز وجل عامة شاملة في الدنيا كما أوضحنا .. فهذا لا ينفي أن المؤمن يختص منها بنصيب متميز . فالرحمن بالكفار و العصاة تتجلى في إبقاء الله لهم وإمهالهم إلى أن يحين أجلهم .. ويتجلى أيضا في أن الله تبارك وتعالى لا يحرمهم من نعمه . أما رحمة الله بالمؤمن .. فهي الحياة الكريمة الهادئة المستقرة في الدنيا والآخرة .. إنها الحياة التي ينعم المؤمن فيها برضاه عن نفسه وعن خالقه وعن حياته .. وحتى ولو ابتلي أشد البلاء .. في صحته أو ماله أو أهله .. وماذا يبغي الإنسان منا أكثر من ذلك ؟ . وانطلاقا من هذه الحقيقة اختص تبارك وتعالى أمة التوحيد الصحيح الكامل .. أمة المصطفى عيه أفضل الصلاة وأتم التسليم برحمات لا تحصى منها بل من أهمها القرآن الكريم .. الرحمة العظمى .. تلك الرحمة العامة التي قبلوها دون غيرها من أمم الكفر والشرك .. فغمرتهم دون سواهم .. هذه الرحمة التي تتجلى في القلوب فلا يشعر بها إلا من قبلها .. ويعمى عنها من رفضها وردها فلا يلمس لها أثرا في نفس ولا في غيره . ومن هذه الرحمات أيضا أن الحق تبارك وتعالى جعل لأمة محمد في قلب نبيهم رأفة ورحمة بهم .. ولقد كان لرحمته صلى الله عليه وسلم بصحابته والتابعين مالها من الآثار والنعم .. تلك النعم التي لم تنقطع منذ بعثته وإلى وقتنا هذا . فحسبه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم أنه علم المسلمين أن من لا يرحم لا يُرحم .. وأن مثلهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى .. وقد قال جل وعلا : ( لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) ومن هذه الرحمات أيضا أنه عز وجل جعل في قلوبهم رأفة ورحمة فيما بينهم مما أشاع الود والترابط بينهم .. وفي ذلك يقول تبارك وتعالى : ( وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً) ويقول سبحانه أيضا : (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ) سورة الفتح ومن هذه الرحمات أنه جل وعلا يسر عليهم الحساب حتى يجتازوا الاختبار ويؤدوا الأمانة التي حملوها باختيارهم .. فينتهوا إلى النعيم الأبدي الذي لا يعتريه شقاء ولا كرب ولا ملل .. فمن جاء منهم بالحسنة ضاعفها له إلى عشرة أمثالها .. وإلى سبعمائة ضعف .. ويضاعف فوق ذلك لمن يشاء .. ومن أتى بالسيئة فلا يجزى إلا بها وفي ذلك يقول تبارك وتعالى : ( مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ) كما قال سبحانه : ( مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ) وقال عز وجل : ( وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ) وقال تبارك وتعالى : ( مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) سورة البقرة وقد جاء في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم : إن الله كتب الحسنات والسيئات , ثم بين ذلك فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له حسنة كاملة , فإن هو همّ بحسنة فعملها , كتبها الله له عشر حسنات , إلى سبعمائة ضعف , إلى أضعاف كثيرة , ومن همّ بسيئة فلم يعملها , كتبها الله له حسنة كاملة , فإن هو همّ بها فعملها , كتبها الله سيئة واحدة . وفضلا عن ذلك فإنه تبارك وتعالى قد فتح أمامهم باب التوبة والمغفرة على مصراعيه .. حتى إذا ما أذنبوا فندموا فاستغفروا فرجعوا إليه غفر لهم ذنوبهم وتغمدهم برحمته وفي ذلك يقول جل وعلا : (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) ويقول سبحانه وتعالى : (فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ويقول جل وعلا : (إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) ويقول سبحانه : (أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) سورة الأنعام من رحمته بهم أيضا أنه فتح أمامهم أبواب الخيرات .. لترجح كفة حسناتهم فينتهوا إلى حيث النعيم الأبدي .. إلى حيث صفاء النفوس المؤمنة صفاء لا يعكره كدر .. ونعيم لا يشوبه انقطاع أو يقطعه ملل . لقد نوع المولى عز وجل لهذه الأمة مصادر الحسنات .. ما بين صلاة وصيام وحج .. وفرض على نفسه أن يكافئ المحسن ولو على ذرة من الخير عملها في وقت من الأوقات , وفي ذلك يقول جل وعلا : ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) سورة الزلزلة فالابتسامة في وجه أخيك صدقة .. وإماطة الأذى عن الطريق صدقة .. الكلمة الطيبة صدقة .. اللقمة يضعها المرء في فم امرأته له بها صدقة . أي رحمة بعد ذلك وأي تخفيف ؟ إنه سبحانه وتعالى يتلمس لنا أسباب النجاة والفوز بالجنة , ويهيئ لنا من أبواب الخير ما يحول بيننا وبين جهنم والعياذ بالله .. فما علينا إلا أن نسلك الطريق وأن نغتنم هذه التيسيرات فنتقى النار ولو بشق تمرة .. إن كل شيء في الكون رحمة من الله سبحانه وتعالى بخلقه حتى لو تبدى للناظرين أنه عناء وشقاء .. الشياطين .. الحيوانات المفترسة .. الثعابين .. العقارب .. الفجائع التي تصيب الإنسان في الأهل والأحباب .. في الصحة والمال .. كل هذا من رحمة الله بخلقه فمن رحمته تبارك وتعالى ورحمته أنه أوجد للإنسان أعداء متعددين يلاحقونه دوما .. حتى إذا ما ضاق بهم ذرعا .. وعجز عن مقاومتهم . لجأ إلى خالقه ... ليكون له طوق النجاة .. ولو أنه عز وجل لم يفعل ذلك لما ذكر الإنسان ربه إلا قليلا . وهكذا يتجلى لنا أن الرحمة قد تكمن في جوف النقمة .. ولا شك أن كل ما يقرب الإنسان من خالقه هو الخير بعينه والرحمة بعينها وأن تجلى للسطحيين أنه نقمة ليس لوجودها مبرر . والمؤمن يجب أن يدعو الله دائما أن يتغمده برحمته في الدنيا والآخرة .. فالدعاء لاستجلاب الرحمة من خصال المؤمنين الصادقين المتقين الذين يخشون الله عز وجل ويخشون عذابه لأنهم على يقين أن الله حق وأن الجنة حق وأن النار حق .. ولنقرأ قوله تعالى : ( لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) وقوله تعالى : ( قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ*قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ) وقوله تعالى : ( أُوْلَـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) وقوله تعلى : ( رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) وقوله تعالى : ( فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ) سورة المؤمنون ولا يظن المؤمن أنه آمن بمحض مشيئته .. ولا يظن الطائع أنه أطاع بخالص قدرته وإرادته , لأن الانتقال من الكفر إلى الإيمان , ومن المعصية إلى الطاعة يكون برحمة الله وتوفيقه واتل قوله تعالى : (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ) ورحمة الله عز وجل مطلقة كسائر صفاته , ولقد أشار الحق تبارك وتعالى إلى ذلك في العديد من الآيات القرآنية .. فقال جل وعلا : ( قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) وقال سبحانه : (قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) وقال عز وجل ( فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) سورة يوسف إنه عز وجل أرحم الراحمين وخير الراحمين , ورحمته وسعت كل شيء .. فهي الرحمة المطلقة التي غمرت كل المخلوقات وغمرت كل البشرية بما فيها من عناصر الكفر بالله والشرك به والمعصية له والجحود بأنعمه . ومن العجيب أن هذه العناصر الكافرة والمشركة والعاصية تحاول هباء أن تشكك في طلاقة الرحمة .. فيقولون : كيف تكون رحمة الله مطلقة رغم أنه سيدخل بعضا من خلقه جهنم ويذيقهم أشد العذاب ؟ .. محاولين بذلك أن يلتمسوا لأنفسهم مخرجا إذا ما اكتشفوا بعد الموت أن الله عز وجل حق , وإذا ما اكتشفوا زيف عقائدهم التي أصروا عليها في الدنيا وقد بينا في غير موضع سذاجة فكرهم وسطحية عقولهم , وجهلهم بمفهوم الكمال الإلهي .. ونكرر ما ذكرنا من قبل في هذه الجزئية الهامة حتى يعلم من لم يعلم , ويثبت من عليم . لقد قلنا ردا عليهم : أن هذا فهم قاصر .. إذ أن رحمة الله قد شملت جميع مخلوقاته منذ أن خلقهم من العدم المطلق وتكفل بتوفير مقومات الحياة لهم من هواء وماء وطعام إلى غير ذلك مما لا نستطيع حصره , وفي مقابل ذلك طلب منهم عبادته وطاعته بما هو ميسور لهم من العبادات , وهذه العبادة ليست إلا القيام ببعض الأعمال وامتناع عن بعض .. علما بأن الالتزام بالفعل والامتناع يكفل لهم حياة كريمة هادئة ويحقق لهم الأمن والأمان وسعادة الدنيا والآخرة , فإذا أطاعوا الله فيما أمر به ونهى عنه فستشملهم رحمته في الآخرة كما شملتهم في الدنيا . وأما من عصى ولم يعبد الله بما يتناسب مع نعمه عليه فقد أسقط عن نفسه موجبات الرحمة في الآخرة , واستحق أن يعامله الحق عز وجل بمقتضى عدله المطلق الذي يقضي معاملة كل إنسان وفقا لعمله في الدنيا . ولو ساوى الله بين عباده في الحساب وأدخل الجميع فسيح جناته لأصبح ظالما لعباده الصالحين الطائعين .. فعدله عز وجل يقتضي أن يكون رحمن الدنيا فتشمل رحمته في الدنيا جميع خلقه , وأن يكون رحيم الآخرة فتشمل رحمته في الآخرة عباده الصالحين الطائعين , بل إن تعذيب النفوس الشريرة التي دأبت على المعصية قد يكون من رحمة الله سبحانه وتعالى لتطهير هذه النفوس من شرها وعنادها , فإذا أدخلها الجنة بعد ذلك دخلت طاهرة بما يتناسب مع قداسة الجنة وقداسة أهلها . إن الله تبارك وتعالى واحد أحد متعدد الصفات , ولكل صفة مجال للعمل , فصفة الرحمة لها موجبات , وصفة الانتقام لها موجبات , فإذا تحققت موجبات الرحمة حلت الرحمة حيث تحققت موجباتها .. وإذا تحققت موجبات الانتقام الإلهي .. حل الانتقام حيث تحققت موجباته .. ولا تعارض بين هذا وذاك . وانه لمن الجهل المتعمد بالكمال الإلهي أن ينتقي الإنسان من الصفات الإلهية ما يوافق هواه فيتشبث بها , بينما يغفل ويتناسى سائر الصفات وكأنها ليست من صفات الله عز وجل . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله لما قضى الخلق كتب عنه فوق عرشه : إن رحمتي سبقت غضبي ... وق رواية تغلب غضبي ... أي غلبت بكثرة آثارها .. بدليل أن قسط الخلق من الرحمن أكبر من قسطهم من العذاب , لنيلهم إياها بلا استحقاق , فقلم التكليف مرفوع عنهم إلى البلوغ , وعقوبة العصيان غير معجلة , وحتى مع العصيان فإن الله يرزقهم ويقبل توبتهم . إن الحق جلا وعلا رحمن رحيم في نفس الوقت الذي هو فيه شديد الانتقام وشديد العذاب , ولا تعارض البته لمن يفهم المسألة على وجهها الصحيح . فسبحان الله وبحمده وسبحان الله العظيم .. الرحيم الذي ينزل إلى السماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل الأخير فيقول : أنا الملك .. من ذا الذي يدعوني فأستجيب له ؟ ومن ذا الذي يسألني فأعطيه ؟ ومن ذا الذي يستغفرني فأغفر له ؟ فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر . فتبارك ربنا الملك الحق .. الرحمن الرحيم .
و لمعرفة المزي زوروا الموقع التالي:
http://www.islamiyyat.com/holy-names.htm
والسلام