عرض مشاركة واحدة
  #1 (permalink)  
قديم 09-11-2007, 11:40 PM

الصورة الرمزية قمرصباح

 
قمرصباح
عضو مميز

 
بيانات قمرصباح
رقم العضوية 68809
تاريخ التسجيل Aug 2007
المشاركات 1,349
بمعدل 2.58 مشاركة في اليوم
الهواية  كل ما هو متعلق بالثراث الحضاري
الجنس
الحالة قمرصباح غير متصل
المزاج اليوم
علم الدولة علم الدولة Morocco
عدد النقاط 53
بدأت الانترنت عام 2000 او قبل
Heart سنديانة الألم (قمرصباح)

 

الصيف الماضي مات أنجلو.رمى الكأس الأخيرة في جوفه، واستطال كي يخترق هداة الموت.دخل ديمومة الإكتئاب وصمت الأعراس الباخوسية.رائحة النعناع وخبز الفقراء لن تنعش قلبه الذي صمت إلى الأبد.أنجلو مات وأي شيء تبقي بعد ؟
( حكاية وطن مات هي حكايتنا ) كلماته التي كان يرددها.
بعيدا عن الوطن وجد منفاه الاختياري.ترك الصمت والقهر هناك،ووجده هنا .من يحكي ؟ من يدير دفة الكلام حين يعترضه موج عابر أو جبل جليدي ؟.

* تذكرات *


القرية البعيدة... الجبن المخثر في جنبات الكهف الدهليزي. ضوء الشمعدان في الكنيسة المهجورة.الطفل الذي مزقته الأسلاك.. رمته رؤاه خلف الأسوار.وحين رأى شمس الوطن الآخر.. لملم جراحه.
قال لي مرة وهو يطل من النافذة المشرعة على البحر:
- كنت أحسب جرحي أعمق وأقسى من جرح هذا الوطن .
في الأيام الأخيرة اختلطت لديه الأشياء.لم يعد للزمن طوله الاعتيادي بل أصبح زمنا معجونا بالآلام والتذكرات.لم يعد للبارحة بعدها في الزمن وعمقها المتلاشي.كان أنجلو ينادي أمه..أسماء كثيرة كان يرددها. قال لي مرة:
- تعال .نم عندي اليلة .سيأتي زوار .ستأتي خالتي التي مات زوجها في الحرب.
نمن حتى الصباح.كنت أعرف أنه كان يزور الوطن في منفاه.
في ليلة عاصفة.. صرخ في عمق الظلام.
(الذئاب تعوي في الخارج..أقفل الباب..أشعل النار ..وضع البندقية على مقربة من ملمس يديك.الذئاب في كل مكان ).
أنجلو مات لأنه لم يعرف كيف يداوي جرحه.أنجلو قتلته الحرب.ظل الوطن يحفر فيه كل أشكال التلاشي حتى تهاوى كحائط قديم .
ترك الوطن.ووجد وطنا عاريا في أعين الأطفال.
ما تبقي من كلماته.
تركت الموت هناك ووجدته هنا...حكاية وطن مات ووطن يحتضر.. اسمع طلقات الرصاص.. أركب السيارة.. أتخلي عنها..المواجهات بين الأطفال والكبار عرفت آنذاك أن العالم أصابته اللعنة.

* لوحات من ذاكرة الراوي *


مساء خريفي.كانت الطيور تعود إلى أعشاشها المكشوفة.والعاملات الملفوفات في (الحايك) يسرعن الخطى إلى منازلهن.كان الصخب يتلاشى شيئا فشيئا.رائحة البحر وصوت الأمواج وهي تصطدم بالواجهة الأمامية للميناء الصغير.
أنجلو كان يري إلى هذه الأشياء إلا هذه الأشياء وفي عينية غيمة حزن.كادت تمطر أو بالكاد أقلقت صفاء عينيه .أشعل السيجارة وحاول أن يداري حزنه.التفت إلي مدركا تطلعي إليه وتفرساتي التي كادت ان تغوص داخله ، كان يريدد أن يوفر علي كل هذا العناء.
( ما بقي من الوطن سوى ذكريات شاحبة..ذكريات طفل.أحيانا كان يزورني ويضع بين يدي باقة ورد بري ويمضي أعرف أن من لا وطن له لا فرح له.كلما تذكرت تلك الليالي الطفو ليه في القرية، أحسست بالدفء يسري في جسدي،
وبالامتلاء يغمرني.فأحس بأن لي جذورا ستستطيل لكي تشرب من نبع الوطن.
والآن الزمن الذي يمضي والسنين الطويلة أبقيا داخلي شيئا كالموت ينشر أطيافه على جبال العزلة.)
م حجرته الصغيرة كنا نسمع هدير البحر.رائحته تملأ كل جنبات الحجرة، الصورة المعلقة لفيرمر
( الفتاة) كانت تلتفت إلينا.في عينيها هداة الليالي الطويلة .قال لي أنجلو وأنا أنظر على اللوحة في استغراق كامل:
- كل ما ستطاع أن يفعله (فيرمر) هو تخليد الجمال.أترى الصورة غنها لا تحمل جمالا خارقا.لكن روعتها تكمن في اليد التي استطاعت أن تجعل مما هو عادي شكلا للخلود.إن السم كالكتابة. تجسيد لما هو مرئي، بحيث يصبح شكلا مزدوجا.شكلا جديدا للابتكار والخلق. إنه الإبداع في أبهي تجلياته.
أنجلو لم يكتب..لم يدون مذكراته.كان يحلم بشيء واحد.أن يعود على الوطن، أن تتشابك يداه بأغصان شجر الدفلى، الذي كان يحيط بمدخل البيت الذي كان يسكنه طفلا في القرية.
مات أنجلو هنا بعيدا..منفيا.ما تبقى..غير غيمة من سفر..سنديانة الصباح المشرع على الألم.ووصاية قنديل يحتضر.


* صحوة الموت *


كان يخاف أن يموت وحيدا كفان كوغ فقيرا ..معدما.وكأن هذه الأشياء أبت إلا أن تقع.انجلوا نام هادئا تلك الليلة.وفي الصباح سألني عن اليوم.قلت له إنه يوم الأحد.ابتسم..ربما تراقصت في عينيه صورة الكنيسة المهجورة والناقوس المتعب، الذي كانت تتردد دقاته في فضاء القرية طلب مني أن أضع خلفه وسادة زائدة أخرى،كي يرفع ظهره بعض الشيء.حسبت أن حالته قد تحسنت، وأنه قد ابتعد عن مشارف الموت.
قمت كي أعد له القهوة في فنجان كبير.حين عدت وجدته يبكي كطفل.وضعت الفنجان جانبا،وجلست أربت على كتفه لعله يهدأ وتزول عنه غشاوة الحزن تلك.
أحسست للحظات وهو يلملم حزنه ويمسح دموعه بعمق المأساة.أخد فنجان ورشف جرعة واحدة.وما كاد يضع الفنجان حتى ارتجفت يداه .بعنف التفت جهة النافذة المطلة على البحر.تساءلت من أين أتته تلك القوة في الإلتفات.وهو الذي وهن جسده إلى أبعد الحدود .اقتربت منه..ناديت.. أنجلو أنجلو ..
لم تكن تلك إلا صحوة الموت ..بكى رحيله قبل الأوان.لم يشيع جسده إلا القلة من المهمشين والسكارى الذين كان يبادلهم المجاملات حين يصادفهم في الحانة.حيث عدت إلى الفندق ،وجدت أن كل الأثاث قد علت فيه أيدي خفية..لم يتبق شيئا.إلا تلك الصورة المعلقة على الجدار..لا زالت تنظر إلينا بتلك النظرة..سألت المسؤول في الفندق فأخبرني أن أناسا قد أتوا وحملوا أغراضه وقالوا له أن ينسي كل شيء.
نزلت الدرج لوحدي .سألت نفسي أحقا أنجلو كتب مذكراته.



قمر صباح

 

 

من مواضيع قمرصباح في المنتدى

0 نبذة عن الموسيقي الإلكترونية
0 ملائكة الأرض
0 أرواح تحترق
0 قصيدة الفقير
0 حمى القرم الكونغولية النزفية
0 جـــــــــــــدار
0 التاريخ السري للموساد الحلقة -1 -
0 كل عــــــــــام وأنــــت في جنة الخلــــد ياوالدي الحبيب..
0 اللغز الذي عجزت مايكروسوفت عن حله
0 خيانة صديقة
0 اين كتب ابن خلدون مقدمته ؟
0 التاريخ السري للموساد الحلقة - 2 -
0 إفشاء الأطفال لأسرار البيت مشكلة لها حل بإذن الله
0 لما كثرة المنتديات (ردا على الأخت اساور)
0 تعارف/ تخاريف معلش ممكن تدخل

توقيع قمرصباح
 

التعديل الأخير تم بواسطة قمرصباح ; 10-11-2007 الساعة 01:27 AM.
رد مع اقتباس