بسم الله الرحمن الرحيم
«السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى أولادك وأهل بيتك وأصحابك الذين بذلوا نفوسهم لله. ووقفوا إلى جانب الحق والدين، ونصروا شريعة سيد المرسلين».
إن الإمام سيد الشهداء ليستحق أن نصرف إليه أنظار الناس من خلال وسائل الإعلام كلها، إنه (عليه السلام) ليستحق أن تخصص له قنوات فضائية ومحطة إذاعية وجرائد ومجلات، وكتب، ومختلف الإصدارات.. فلو علمنا أن الدعاية الدينية المسيحية تحوز أكثر من سبعين قناة فضائية، وفي أنحاء عديدة من العالم، عدا محطات الإذاعة التي لا تحصى كثرة، وجرائد ومجلات وغيرها. فظهر لنا مدى التقصير الذي نحن فيه تجاه أبي الأحرار الإمام العظيم أبي عبد الله الحسين (عليه السلام).
إن الحسين لا يختص بالشيعة فحسب، ليس إماما للشيعة دون غيرهم، إنه رجل التاريخ الخالد.. إنه رمز الإنسانية الوتر، الذي كان له قصب السبق في البذل والعطاء، لتحرير الإنسان وتحقيق كرامته وسيادته.
لم يكن ثائراً فحسب، بل كان معلماً ملهماً للثوار على مدى الدهور والأعصار.. فما من صرخة استنكار ارتفعت في وجه ظالم أو جائر إلا وكانت مشوبة بروح الحسين (عليه السلام) وفكره.
هذا تاريخ الشهداء بين يديك، بعد عام 61 هجرية، لو نظرت إليه، لما وجدت نهضة أو ثورة أو حركة ضد الظلم والجور إلا وهي متأثرة بأهداف أبي عبد الله وشعاراته، فثورة التوابين انطلقت أساساً للمطالبة بذحوله وثارته، وثورة المختار قامت في الأصل للانتقام من قتلة الحسين (عليه السلام) ولم يكن المختار الثقفي لينجح في نهضته لولا هذا الشعار العتيد (يالثارات الحسين).
وهكذا ثورة زيد التي قامت واستمدت فكرها من نهضة الحسين (عليه السلام) إلا أنها كانت بالأصل ثورة شيعية حسينية.
وابنه يحيى بن زيد كذلك، وقيام الخراسانيين مع أبي مسلم الخراساني كان باسم الحسين خاصة وأهل البيت عامة، وهكذا كان حال الحركات الإسلامية منذ شهادة الحسين حتى يومنا هذا تستلهم روح النهضة والاستنفار من أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) وتستند إلى مبادئه وأفكاره. فأي خلود أعظم من هذا؟!.
إن شهداء الفضيلة على مر الأيام، اختلفوا في الأهداف والغايات والوسائل والمبادئ كثيراً ولكنهم اتفقوا على أمر واحد، لم يحيدوا عنه، وكان هو القاسم المشترك بينهم جميعاً، وهو الاستلهام من مبادئ أبي عبد الله الحسين (عليه السلام).
إن الحسين (عليه السلام) أسس للثورة في وجه الظالمين، كما أسس للتحدي في وجه الفاسقين والجائرين، ولا زال (عليه السلام) يرعب أعداء الدين وتخيفهم آثاره وبركاته، ولا زال العالم الإسلامي في أمس الحاجة إلى الاقتداء به والاستنارة بمصباحه، والسير على نهجه والانتهال من معينه.
وهذا هو المعنى المحدد والدقيق للخلود.. أن تجد حاجة الأمة إليه لا تنعدم، واستصراخهم إياه لا ينتهي، وحزنهم عليه لا ينقضي.
أن الموت بعزة وشهامة وشموخ كان احب إلى الحسين من العيش بذلة وهوان، ولقد صرح بذلك هو (عليه السلام)، حين قال: (إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما).
وقد كان لا يريد لمن معه إلا أن يكونوا بهذا المستوى من الشجاعة والصلابة التي تستهين بالموت وتهزا بالحياة، إلا في ظل حكم العدالة والإسلام والقرآن، فلم يفوت فرصة إلا وأعلن عن رأيه الصريح للناس عامة، ولأصحابه خاصة، فكان يقول: (ألا فمن كان باذلاً فينا مهجته، موطناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا) لأن الموقف الرهيب الذي سيقفه الحسين في كربلاء لا يطيقه إلا من كان باذلاً نفسه، موطناً على لقاء الله، منتزعاً رغبة حب الدنيا من قلبه!!.
ألسنا اليوم بحاجة إلى مثل هذا الرجل العظيم لينجي الأمة من ذلها وهوانها؟.
ألسنا اليوم -وكل يوم- نترصد للزمن ليخرج علينا مثل الإمام الحسين ليحقق لنا النصر والعز والكرامة؟.
وأخيراً.. أليست هذه المواقف الحسينية الصلبة مدعاة لخلوده وبقاءه على مر الأيام؟.
إننا اليوم أولسنا بحاجة إلى من يكون (مع من غلب) ولسنا بحاجة إلى جبناء خاذلين مخذولين.. ولسنا بحاجة إلى متربعين على عروش الغدر والخيانة.. ولسنا بحاجة إلى أيتام الاستعمار وأذنابه.
إننا بحاجة إلى مثل الإمام الحسين الذي بَرَعَ في إذلال الطواغيت، واسكت أصوات المنافقين، وأقدم على الموت ليحيى، وأحجم عن الدنيا ليعز ويعظم ويخلد.
ألا يستحق مثل هذا الرجل الفذ والطود الشامخ والوتر الموتور والعزيز المهاب.. ألا يستحق أن تسخر كل وسائل الإعلام لتعرفه لأهل الدنيا جميعاً؟.
ألا يستحق منا أن نجعل كل طاقاتنا وإمكاناتنا في خدمة أهدافه ومبادئه (عليه السلام)؟.
ألا يجب أن يبشر له ولمواقفة وأخلاقه وسماته وصفاته النبوية السامية؟.
.
وماذا عساي أن أقول في الحسين (عليه السلام) وقد قال عنه جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (حسين مني وأنا من حسين) وقال: (إن الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة) وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن لكل شيء موقعاً في القلب وما وقع في قلبي مثل حب الحسن والحسين شيء) فقال بعض أصحابه: أوكل هذا يا رسول الله؟ فقال: (نعم وأكثر من هذا، إن الله أمرني بحبهما).
وأننا اليوم نتأسى برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حزننا على أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) وأسفنا لما ناله من أمة جده وننظر إليه بكل الإعجاب والإكبار والتقديس والإجلال لأنه النموذج الوحيد في تاريخ البشرية الذي أعطى ربه ذلك العطاء السخي والبذل الوافر من حياته وحياة عترته وأهل بيته، صلوت الله عليه وعلى آله جميعاً