مشروعية زواج المتعة في السنة
أخرج البخاري ومسلم في ( صحيحيهما ) عن عبد الله بن مسعود قال : " كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس لنا نساء فقلنا : ألا نستخصي ؟ فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ علينا : ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) [ المائدة / 87 ] ( 1 ) .
ولا يقعن في روعك أن نكاح المتعة لم يكن مباحا وأن ظروفا خاصة هي التي أوجدته بدليل أنهم استأذنوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الاستخصاء فنهاهم عنه ورخص لهم في المتعة كما ذهب إليه بعضهم .
والحاصل أنه كان مباحا شرعا لكنه يبدوا من ظاهر الحديث أنهم كانوا يتورعون عنه ويتنزهون عن فعله فأكد لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه حلال شرعا لا شائبة فيه وأن تنزههم هذا في غير موضعه وليس من الدين في الشئ بدليل تلاوته الآية المباركة عليهم : ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) .
وما أشبه فعلهم بما قالته عائشة : " صنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئا ترخص فيه وتنزه عنه قوم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فحمد الله ثم قال : ما بال أقوام يتنزهون عن الشئ أصنعه ؟ ! فوالله إني أعلمهم بالله وأشدهم له خشية " ( 2 ) .
إن تلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهذه الآية المباركة عن تأكيده على إباحة نكاح المتعة تفيد عدة أمور :
* هامش *
(1) أخرجه البخاري في باب : ما يكره من التبتل والخصاء : ج 7 ص 5 ومسلم في باب : نكاح المتعة : ج 9 ص 182 .
(2) أخرجه البخاري : ج 9 ص 120 . ( * )
أولا : إنها تثبت أن نكاح المتعة من الطيبات التي جعلها الله حلالا لعباده المؤمنين وأمرهم بها وحثهم عليها كما جاء في قوله تعالى في صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث . . . ) [ الأعراف / 157 ] .
ثانيا : إن التنزه عن فعله والابتعاد عنه يعد من قبيل الترفع عن شئ شرعه الله تعالى وجعله حلالا لعباده المؤمنين وكان صاحبه أعلم بقواعد المصلحة وأصول التشريع من الله عز وجل ! !
ثالثا : إن ادعاء تحريمه يعد اعتداء على سلطان الله جل وعلا لأنه بمثابة تحريم ما أحله الله من المباحات لعباده المؤمنين كما أنه يقتضي إخراج نكاح المتعة من دائرة الطيبات وإدخاله في دائرة الخبائث مصداقا لقوله تعالى : ( . . . ويحل لهم الطيبات ويحرم عنهم الخبائث ) وهذا يناقض بصورة واضحة ما جاء في الحديث الشريف الذي أثبت أن نكاح المتعة من الطيبات التي شرعها الله فكيف يكون التحريم ؟ !
- أخرج البخاري ومسلم - أيضا - في باب : نكاح المتعة من ( صحيحيهما ) عن جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع قالا : " خرج علينا منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أذن لكم أن تستمتعوا يعني : متعة النساء " .
- وفي رواية لمسلم عن سلمة بن الأكوع وجابر بن عبد الله " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتانا فأذن لنا في المتعة " .
- وفي رواية للبخاري عن سلمة بن الأكوع عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : " أيما رجل وامرأة توافقا فعشرة ما بينهما ثلاث ليال فإن أحبا أن يتزايدا أو يتتاركا تتاركا " .
وهذه الأحاديث تثبت أن نكاح المتعة حلال قد شرعه الله - سبحانه - بدليل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكتف بإرسال مناديه ليبشر بذلك حتى قام هو
-
بنفسه ليؤكد على مشروعيته وإباحته . وبذلك يكون قد ثبت لدينا بالدليل القطعي اليقيني من القرآن والسنة أن زواج المتعة حلال شرعا ومن يدعي أنه قد نسخ بعد ذلك فيلزمه أن يأتي بالدليل القطعي اليقيني فإن المباحات اليقينية لا يمكن أن تنسخ بالدلائل الظنية بل يجب أن يكون ذلك بالدلائل القطعية التي لا تقبل الشك .