بسم الله الرحمن الرحيم
فمن ذلك أسرار مولده : رواه زياد بن المنذر عن ليث بن سعيد قال : قلت لكعب الأحبار وهو عند معاوية ، كيف تجدون صفة مولد النبي صلى الله عليه وآله ؟ وهل تجدون لعترته فضلا ؟ فالتفت إلى معاوية لينظر كيف هو فأنطقه الله فقال : هات يا أبا إسحاق ، فقال كعب : إني قرأت اثنين وسبعين كتابا نزلت من السماء ، وقرأت صحيفة دانيال ووجدت في الكل مولده ومولد عترته ، وإن اسمه لمعروف ، ولم يولد نبي نزلت عليه الملائكة قط ما خلا عيسى وأحمد ، وما ضرب على آدمية حجب الجثة غير مريم وآمنة ، وكان علامة حمله أن نادى مناد في السماء في الليلة التي حملت به آمنة عليها السلام : أبشروا يا أهل السماء ، فقد حمل الليلة بأحمد ، وفي الأرض كذلك حتى في البحور ، وما بقي يومئذ في الأرض دابة تدب ولا طائر يطير ، إلا وعلم بمولده صلى الله عليه وآله ، ولقد بني في الجنة ليلة ولادته سبعون ألف قصر من ياقوت أحمر ، وسبعون ألف قصر من اللؤلؤ الرطب ، وسميت قصور الولادة ، وقيل للجنة : اهتزي وازيني ، فإن نبي أولئك قد ولد ، فضحكت الجنة يومئذ فهي ضاحكة إلى يوم القيامة ، وبلغنا أن حوتا من حيتان البحر يقال له طموسا وهي سيدة الحيتان ، لها سبعمائة ألف ذنب تمشي على ظهور سبعمائة ألف ثور ، الواحد أكبر من الدنيا ، لكل ثور منها سبعمائة ألف قرن من زمرد أخضر اضطرب فرحا لمولده ، ولولا أن الله تعالى ثبته لجعل عاليها سافلها ، وبلغنا يومئذ أنه ما بقي جبل إلا لقي صاحبه بالبشارة ويقول : لا إله إلا الله ، ولقد خضعت الجبال كلها لأبي قبيس كرامة لمحمد صلى الله عليه وآله ، ولقد قدست الأشجار أربعين يوما بأغصانها ، وأزهارها وثمارها ، فرحا بمولده ، ولقد ضرب بين السماء والأرض سبعون عمودا من نور ، ولقد بشر آدم بمولده فزاد في حسنه سبعين ضعفا ، ولقد بلغني أن الكوثر اضطرب فرحا وطمأ ملؤه حتى رمي ألف قصر من قصور الجنة من الدر والياقوت نثارا لمولده ، ولقد زم إبليس وسبل وألقي في الحفير أربعين يوما ، ولقد تنكست الأصنام كلها وصاحت ، وسمعوا صوتا من الكعبة يقول : يا قريش جاءكم البشير ، جاءكم النذير ، معه عمر الأبد ، والرمح الأكبر ، وهو خاتم الأنبياء ، ونجد في الكتب أن عترته خير البشر ، ولا تزال الناس في أمان من العذاب ما دامت عترته في الدنيا ، فقال معاوية : يا أبا إسحاق ومن عترته ؟ فقال : من ولد فاطمة ، فعبس معاوية وجهه ، وعض على شفته ، ‹ صفحة 110 › وقام من مجلسه ( 1 ) . ومن ذلك من خواص مولده صلى الله عليه وآله ما نزل في الإنجيل : يا عيسى جد في أمري ولا تهزل ، واسمع وأطع يا بن الطهر البتول ، خلقتك من غير فحل آية للعالمين ، فإياي فاعبد وعلي فتوكل ، خذ الكتاب بقوة فبشر لأهل سوريا بالسريانية ، تلمح من بين يديك أني أنا الله الدائم ، صدقوا النبي الأمي صاحب الجمل ، والدرع والتاج ، وهي العمامة ، والبغل والهراوة ، وهي القضيب الأكحل العين ، الصلت الجبين الواضح الخدين الأقنى الأنف المفلج الثنايا كأن عنقه إبريق فضة كأن الدهن يجري في تراقيه ، أسمر اللون إذا مشى فكأنما ينقلع من صخر وينحدر من صبب ، عرقه في وجهه كاللؤلؤ أو ريح المسك ، لم ير مثله أو بعده مثله ، نكاح النساء قليل النسل وإنما نسله من مباركة لها بيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب ، يكفلها في آخر الزمان كفل زكريا أمك لها فرخان يستشهدان ، كلامه القرآن ، ودينه الإسلام ، وأنا السلام ، طوبى لمن أدرك زمانه ، وسمع كلامه ( 2 ) . ومن ذلك ما رواه ابن عباس عنه من نطقه بالغيب وإخباره بالملاحم ، قال : حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله حجة الوداع فجاء حتى أخذ بحلقة باب الكعبة ثم أقبل علينا بوجهه وهو كالشمس في الضحية ثم قال : ألا أخبركم بأشراط الساعة ؟ فقلنا : بلى يا رسول الله ، فقال : إن من أشراط الساعة إضاعة الصلاة ، واتباع الشهوات ، وتعظيم المال ، وبيع الدين بالدنيا فعندها يذوب قلب المؤمن في جوفه كما يذوب الملح في الماء ، مما يرى من المنكر فلا يستطيع إنكاره ، فقال سلمان : وكل هذا كائن يا رسول الله ؟ فقال : إي والذي نفس محمد بيده ، فعندها يليهم من الأمراء الجور والوزراء الفسق ، والعرفاء الظلم ، والأمناء الخيانة ، فعندها يكون المنكر معروفا والمعروف منكرا ، ويصدق الكاذب ويكذب الصادق ، وتتأمر النساء وتشاور الإماء وتعلو الصبيان المنابر ، ويكون الفجور طرفا ، والزكاة مغرما والغي مغنما ، ويجفو الرجل والديه ويبر ( 3 ) صديقه ، ويطلع الكوكب المذنب فعندها تشارك المرأة زوجها في التجارة ، ويكون المطر قضا فإذا دخلت السوق فلا ترى إلا ذاما لربه ، هذا يقول : لم أبع شيئا ، وهذا يقول : لم أربح شيئا ، فعندها يملكهم قوم إن تكلموا قتلوهم ، وإن سكتوا ‹ صفحة 111 › استباحوهم ، يسفكون دماءهم ويملؤون قلوبهم رعبا ، فلا تراهم إلا خائفين مرعوبين ، فعندها يؤتى بشئ من المشرق وشئ من المغرب ، فالويل لضعفاء أمتي منهم والويل لهم من الله ، لا يرحمون صغيرا ولا يوقرون كبيرا ، قلوبهم قلوب الشياطين ، فعندها يلتقي الرجال بالرجال ، والنساء بالنساء ، ويغار على الغلام كما يغار على الجارية في بيت أهلها ، وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال ، وتعلو الفروج السروج ، فعلى أولئك من أمتي لعنة الله ، فعندها تزخرف المساجد والمصاحف ، وتعلى المنابر وتكثر الصفوف ، قلوب متباغضة ، وألسن مختلفة ، فعندها تحلى ذكور أمتي بالذهب ، ويلبسون الحرير والديباج ويظهر الربا ويتعاملون بالرشوة ، ويستعملون الغيبة ، فعندها يكثر الطلاق ، فلا يقام لله حد فعندها يحج ملوك أمتي للنزهة ، وتحج أوساطهم للتجارة ، وتحج فقراؤهم للرياء والسمعة ، فعندها يتعلمون القرآن لغير الله ويتخذونه مزامير ويتفقهون للجدال ، ويكثر أولاد الزنا ويعفون بالقرآن ، ويتهافتون على الدنيا ، فإذا انتهكت المحارم ، واكتسبت المآثم ، سلط الأشرار على الأخيار ، فهنالك يفشو الكذب ، ويتهافتون في اللباس ويمطرون في غير أوان المطر ، وينكرون الأمر بالمعروف في ذلك الزمان حتى يكون المؤمن أذل من الأمة ، وتظهر قراؤهم فيما بينهم التلاوة والعداوة ، أولئك يدعون في ملكوت السماء الأرجاس والأنجاس فهناك يخشى الغني من الفقير أن يسأله ،