ثلاثُ صفات مهمّة ومصيريّة في برامجِ الإنسانِ
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وال محمد
ثلاثُ صفات مهمّة ومصيريّة في برامجِ الإنسانِ
جاء في وصية الرسول الاعظم صلى الله عليه واله وسلم لامير المؤمنين سلام الله عليه
( يـا عَليُّ! ثلاثٌ مَنْ لَم يكنِّ فِيهِ لَم يُتمّ عَملُهُ: وَرعٌ عن معاصي اللهِ ـ عَّز وجلَّـ; وخُلقٌ يُداري بِهِ النّاسَ; وَحُلمٌ يَردُّ بِهِ جَهلَ الجـاهِلِ)
يختصّ هذا الحديث بالأشخاص الّذين يتعاملون مع الناس، يقول النبيّ(صلى الله عليه وآله) في بداية هذا الحديث: إذا لم توجد هذه الصفات في شخص لا تنتظم أعماله ولا يحصل على نتيجة، وتفشل برامجه، في الواقع أشار النبي(صلى الله عليه وآله) في هذه الصفات الثلاث إلى ثلاث مسائل:
1 ـ علاقة الإنسان مع الله.
2 ـ علاقة الإنسان مع الأصدقاء.
3 ـ علاقة الإنسان مع الأعداء.
1- علاقة الإنسان مع إلله تعالى:
«ورعٌ يحجزُهُ عَنْ معاصي اللهِ ـ عزّوجلّ ـ...»، الورع حالة تبعث على الإمتناع عن إقتراف الذنوب ونسّميها كذلك ملكة العدالة ويعاني البعض كثيراً لتفسير هذه الكلمة.
هذه الملكة لا تسبّب الأمن للانسان بدرجة مئة في المئة لأنّها لو وصلت إلى هذه الدرجة لأصبحت عصمة، يمكن التشبيه لهذه المسألة بالشكل التالي: طريق المعصية معبدّ ومهيىءّ بالنسبة للبعض، ويقطعونه بلا أيّ موانع لكنّ البعث الآخر يواجه موانعاً فيه مثل الأسلاك الشائكة، الوادي أو المضيق، الأرض الكثيرة الأحجار و... فكما ترون أنّها تعرقل عليهم المسير وتمنعهم من الاستمرارية، فالورع كهذه الموانع، تحجز الآدمي عن الذنب.
وبعبارة أخرى عدم قطع طريق المعصية بسهولة ومواجهة العوائق ووجود قوة تسحب إلى الخلف، يقال لهذه الحالة، حالة الورع والعدالة.
2- علاقة الإنسان مع الأصدقاء.
«وخُلقٌ يُداري بِهِ النّاسَ»; للناس أذواق مختلفة ويشملهم عادة هذا الكلام «صاحبُ الحاجةِ لا يرى إلاّ حاجَتَهُ»، أي عندما تواجهه مشكلة ولديه حاجة سوف لن يرى مشكلته ويأمل أيضاً أن يكون الجميع تحت اختياره.
من أراد أن يكون أحد قوّاد المجتمع فلديه رسالة إلهيّة لا يمكن أداؤها إلاّ من خلال الأخلاق الفاضلة، وبعبارة أخرى، يجب عليه أن يهتمّ بالناس ويتحمّل مزاحمة الأصدقاء ويحقق آمالهم، لأنّه لا حيلة إلاّ الصبر والتحمل كلّ من كانت منزلته في المجتمع أكبر يتعرّض لهذه المسائل أكثر من غيره،
يجب أن نتعلّم طريقة التعامل مع الآخرين من النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله).
روي عن الحسن بن علي(عليهما السلام) أنّه قال: سألت أبي أمير المؤمنين(عليه السلام) عن خصوصيات النبي(صلى الله عليه وآله) أخلاقه، فأجابني بالتفصيل، وجاء في جزء من هذا الحديث:
«كانت سيرته في جلسائه بهذه الصورة، كان دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صخّاب، ولا فحّاش، ولا عيّاب ولا مدّاح يتغافل عمّا لا يشتهي، فلا يؤيس منه، ولا يخيب فيه مؤمّليه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذّم أحداً، ولا يعيّره، ولا يطلب عثراته ولا عوراته، لا يتكلّم إلاّ في ما رجا ثوابه إذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلّموا، ولا يتنازعون عنده الحديث...
نعم، لو لم تكن هذه الأخلاق الكريمة والملكات الفاضلة، لم يدخل في الإسلام ذلك الجمع الجاهلي المتلّف ولافظّ الغليظ، ولأصبحوا مصداقاً للآية: (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ...) كم هو جميل أن تُحيا اليوم هذه الأخلاق الإسلامية، ويتحلّى كلّ مسلم بخصلة من أخلاق رسول الله(صلى الله عليه وآله).
الروايات الإسلامية في هذا المجال كثيرة سواء حول شخصية الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) أو بشأن وظيفة جميع المسلمين حيث سنشير هنا إلى مجموعة منها عن كتاب مجمع البيان
1 ـ جاء في حديث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «إنّما بُعِثتُ لاُتمّم مكارمَ الأخلاقِ»، وعلى هذا يكون إتمام الأخلاق أحد أهداف الرئيسية للنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله).
2 ـ جاء في حديث آخر عنه(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «إنّما المُؤمِنُ لَيدركَ بُحسنِ خُلقِهِ دَرَجةَ القائِم اللّيلِ وصائمِ النّهارِ».
3 ـ وجاء عنه(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «مـا مِن شيء أثقَلُ فِي المِيزانِ مِن حُسنِ الخُلقِ»
4 ـ ونقل عنه (صلى الله عليه وآله) أيضاً أنّه قال: «أَحبُّكُم إلى اللهِ أَحسنُكُم أخلاقاً المُوطؤن أكنافاً، يَألَفُونَ ويُؤلَفونَ، وَأبغَضُكُم إلى اللهِ المَشاؤونَ بالنَّميمةِ، المُفرّقُونَ بينَ الإخوانِ، المُلتَمسِونَ للبَراءِ العثراتِ».
5 ـ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) أيضاً: «إنّكُم لَن تَسعُوا النّاسَ بِأموالِكُم فَسَعُوهُم بِبسطِ الوُجُوهِ وَحُسنُ الخُلقِ».
6 ـ ورد عن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) عن آبائه أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: «عَلَيكُم بِخُسنُ الخُلقِ، فانّ حُسنَ الخُلقِ فِي الجَنّةِ لا مَحالةَ، وَإيّاكُم وَسُوءُ الخُلقِ، فانّ سُوءُ الخُلقِ فِي النّارِ لا مَحالةَ».
7 ـ نقل جابر بن عبد الله الأنصاري عن الإمام محمد الباقر(عليه السلام) أنّه قال: «تَبسّمُ الرّجلِ فِي وَجهُ أخِيهِ حَسنَةٌ».
8 ـ قال الإمام علي(عليه السلام): «التَّبسّمُ فِي وَجهِ المُؤمنِ الغَريبُ مِن كَفّارةِ الذُّنوبِ».
9 ـ ورد عن الإمام علي(عليه السلام) أيضاً قال: «بَشاشةُ الوجهِ عَطيّةٌ ثانيةٌ».
3- علاقة الإنسان مع الأعداء:
«وَحُلمٌ يَردُّ بِهِ جَهلَ الجـاهِلِ»، لا يجب أن يستعمل الإنسان العنف مع الأعداء أيضاً، لأنّ العنف في الإسلام له موارد استثنائية، يجب أن نتعلّم من القرآن الكريم حيث ابتدأت جميع سوره المائة والأربع عشرة بلفظ «الرحمن» و«الرحيم» باستثناء سورة واحدة (سورة التوبة)، لذا يجب أن يكون المسلم حليماً أمام الأعداء أيضاً إذا لم يؤدّ ذلك إلى سوء الاستفادة ويزيد من تسلّطهم وجسارتهم.
الحليم في الروايات الإسلامية:
1 ـ مرّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) بجماعة وكان بينهم رجل قويٌّ رفع صخرة كبيرة من الأرض، وكان الناس يسمّون هذه الصخرة ثقل الأبطال، وكان الجميع متعجّباً من عمل هذا الرجل، سأل الرسول(صلى الله عليه وآله): لأيّ شيء هذا الاجتماع؟
قال له الناس: لأجل رفع هذه الصخرة من قبل هذا الرجل القوي.
قال(صلى الله عليه وآله) «ألا اُخبركم بمن هو أقوى منه؟ ثم قال: رجلٌ سبّهُ فَحلُمَ عَنهُ، فَغَلبَ نَفسَهُ، وغَلَبَ شَيطانَهُ وَشَيطانِ صـاحبِهِ».
2 ـ قال الإمام جعفر الصادق(عليه السلام): «لا تُمارينِّ حَلِيماً ولا سَفيهاً، فانّ الحِليمَ يَقلِيكَ والسّفِيهُ يُؤذِيك».
موفقين لكل خير
منقول