ورد في (البحار): أنّ الزهراء (عليها السلام) وفي آخر يوم لها من الدنيا، أخذتها غفوة وهي على فراش الشهادة; فرأت أباها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قصر من الدرّ الأبيض، فلمّا رآها قال (صلى الله عليه وآله): "هلمّي إليّ يا بنيّة، فإنّي إليك مشتاق". فقالت: "والله إنّي لأشدّ شوقاً منك إلى لقائك". فقال لها: "أنتِ الليلة عندي"(1).
لا شكّ أنّ هذه الرؤيا تعتبر من مواطن البشرى للزهراء عليها السلام خصوصاً وأنّها ستلتحق بأبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في جنان الخلد، وتستريح من همّ الدنيا وغمّها. وهذه البشرى تذكرها باليوم الذي سارّها أبوها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه، وقال: "يا بنيّة أنت أوّل أهل بيتي لحوقاً بي". فتهلل وجهها فرحاً.
فهي الآن مستبشرة بلقاء أبيها (صلى الله عليه وآله) وبرضوان الله الأكبر، ولكنها من ناحية اُخرى تتألم لأنّها ستترك أولادها الصغار لنبال الزمان، ومصائب الأيام. وتتألم أكثر وأكثر، لأنّها سوف تترك زوجها العظيم، وكفأَها الكريم; وحيداً غريباً في هذه الحياة القاسية، فلقد كانت الزهراء (عليها السلام) لسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، ورجله لاتي يمشي بها، وروحه التي بين جنبيه، وكانت خير معين له وناصر. فمن الذي يقوم مقامها إذا هي فارقت الحياة؟.
فما استطاعت أنّ تحتمل حتى خنقتها العبرة، وفاضت من عينيها دموع المواساة، دموع الفداء لأمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال لها أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو يتقطّع من أعماقه ألماً لفراقها: "ما يبكيك يا بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟".
فنظرت إليه بتلك العينين الدامعتين، وقالت بصوت ضعيف: "أنا أبكي عليك يا أبا الحسن ولِما يجري عليك من المصائب والمحن بعدي". فقال لها أمير المؤمنين (عليه السلام): "لا تبكي، فوالله إنّ ذلك لصغير عندي في ذات الله"(2).
قال السيد القزويني في كتابه (فاطمة من المهد إلى اللحد): (يستفاد من بعض الأحاديث: أنّ الإمام علياً والحسن والحسين (عليهم السلام) كانوا خارج البيت في تلك الساعة(3)، ولعلّ خروجهم كان لأسباب قاهرة وظروف معينة، وإنّما كانت أسماء حاضرة وملازمة لها.
ويستفاد من بعض الأحاديث أنّ خادمتها فضّة كانت أيضاً حاضرة)(4).□
قال العلاّمة الأمين: إنّ فاطمة (عليها السلام) لم تزل بعد وفاة أبيها مهمومة مغمومة، محزونة مكروبة باكية، ثمّ مرضت مرضاً شديداً، ومكثت أربعين ليلة في مرضها إلى أنّ توفّيت، صلوات الله عليها.
فلمّا نُعيت إليها نفسها دعت اُمّ أيمن، وأسماء بنت عميس، ووجّهت خلف عليّ فأحضرته فقالت: "بابن العم! إنّه قد نعيت إليّ نفسي، وإنّني لا أرى ما بي إلاّ أنني لاحقة بأبي (صلى الله عليه وآله) ساعة بعد ساعة، وأنا أوصيك بأشياء في قلبي". قال لها علي (عليه السلام): "أوصيني بما أحببت يا بنت رسول الله".
فجلس عند رأسها، وأخرج من كان في البيت، ثمّ قالت: "يابن العم ما عهدتني كاذبة ولا خائنة، ولا خالفتك منذ عاشرتني".
فقال (عليه السلام): "معاذ الله أنت أعلم بالله، وأبرّ وأتقى، وأكرم وأشدّ خوفاً من الله من أنّ أوبخك بمخالفتي، وقد عزّ عليّ مصيبة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد عظمت وفاتك وفقدك، فإنا لله وإنّا إليه راجعون; من مصيبة ما أفجعها وآلمها وأمضّها وأحزنها! هذه والله مصيبة لا عزاء عنها، ورزية لا خلف لها".
ثمّ بكيا جميعاً ساعة، وأخذ عليّ (عليه السلام) رأسها، وضمّه إلى صدره، ثمّ قال: "أوصيني بما شئت، فإنّك تجدينني وفيّاً; اُمضي كلّ ما أمرتني به، واختار أمرك على أمري".
ثمّ قالت: "جزاك الله عنّي خير الجزاء يابن العم. أوصيك أنّ تتزوج بعدي بابنة أختي اُمامة فإنّها تكون لولدي مثلي، واُوصيك يابن العم أنّ تتخذ لي نعشاً، فقد رأيت الملائكة صوّروا صورته". فقال لها: "صفيه لي".
فوصفته، فاتخذه لها. ثمّ قالت: "وادفنّي في الليل إذا هدأت العيون ونامت الأبصار".
ثمّ توفّيت، صلوات الله عليها وعلي أبيها وبعلها وبنيها، فصاح أهل المدينة صيحة واحدة، واجتمعت نساء بني هاشم في دارها فصرخن صرخة واحدة; كادت المدينة تتزعزع من صراخهنّ، وهنّ يقلن: يا سيدتنا، يا بنت رسول الله.
وأقبل الناس مثل عرف الفرس إلى عليّ (عليه السلام) وهو جالس، والحسن والحسين (عليهما السلام) بين يديه يبكيان.
فبكى الناس لبكائهما، وخرجت اُمّ كلثوم (عليها السلام) عليها برقعها، تجر ذيلها متجللة برداء وهي تقول: يا أبتاه يا رسول الله الآن حقاً فقدناك فقداً لا لقاء بعده أبداً.
واجتمع الناس فجلسوا وهم يرجون وينتظرون أنّ تخرج الجنازة حتى يصلّوا عليها، فخرج أبو ذرّ وقال: انصرفوا; فإنّ ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد اُخّر إخراجها هذه العشية. فقام الناس وانصرفوا، وهم يظنون أنّ الجنازة سوف يُؤخر إخراجها إلى الغد. فلمّا هدأت العيون ومضى شطر من الليل أخرجها عليّ والحسن والحسين (عليهم السلام)، وعمّار، والمقداد، وعقيل، والزبير، وأبو ذرّ، وسلمان، وبريدة، ونفر من بني هاشم وخواصِّهم، وصلّوا عليها ودفنوها في جوف الليل وسوّى عليّ (عليه السلام) حواليها قبوراً مزوّرة مقدار سبعة حتى لا يعرف قبرها.
وروي أنّه (عليه السلام) رشّ أربعين قبراً حتى لا يُعرف قبرها عن غيره(1). قال بعضهم: سوّى قبرها مع الأرض حتى لا يعرف أحد موضعه(2).
وروى محمّد بن همّام بإسناده عن رجاله قال: إنّ المسلمين لمّا علموا بوفاة فاطمة (عليها السلام) جاؤوا إلى البقيع، فوجدوا فيه أربعين قبراً، فأشكل عليهم قبرها مع سائر القبور، فضجّ الناس ولام بعضهم بعضاً، وقالوا: لم يخلّف نبيّكم إلاّ بنتاً واحدة تموت وتدفن ولم تحضروا وفاتها ولا دفنها، ولا الصلاةعليها، بل ولم تعرفوا قبرها(3).
أقول: نقل ابن حجر في (أسد الغابة) ج7: 22 قضية دفن الزهراء (عليها السلام) ليلاً بوصيّة منها.
وختم بهذا الدكتور محمد عبده يماني في كتابه (إنّها فاطمة الزهراء) صفحة: 321.
كما أشار إلى دفنها ليلاً كثير من المؤرّخين كابن سعد في (الطبقات)، والحاكم النيسابوري في (المستدرك)، والبيهقي في (السنن)، والطبري في تاريخه وغيرهم(4).□
بعد أنّ فرغ أمير المؤمنين (عليها السلام) من تغسيل فاطمة الزهراء (عليها السلام) ـ وكان قد غسلها من وراء الثياب ولم يجردها ـ شَخَصَ بعينيه الدامعتين نحو السماء وقال: "اللهم إنّها أمتك وابنة رسولك وصفيك، وخيرتك من خلقك. اللهم لقّنها حجتها، وأعظم برهانها، وأعلِ درجتها، واجمع بينها وبين أبيها محمد (صلى الله عليه وآله)".
ثمّ نشّفها بالبردة التي نشّف بها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وحنّطها بحنوط السماء الذي جاء به جبرئيل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فكان ثلثه لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وثلث لفاطمة وثلث لعلي.
ثمّ لفّها في أكفانها; وكفّنها في سبعة أثواب، والتفت أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى يتامى فاطمة وهم ينظرون إلى اُمّهم تلفّ في أثواب الكفن، فلم يعقد خيوط الكفن، واختنق بعبرته، ولم يستطع إخفاء البكاء عن أولاده; بل نادى بصوت ضعيف يتخلله النشيج والنحيب: "يا حسن يا حسين يا زينب يا اُمّ كلثوم، هلمّوا وتزودوا من اُمّكم، فهذا الفراق واللقاء في الجنة".
فاقبلوا مسرعين، وتساقطوا على ذلك الجثمان الطاهر، وارتفع نحيبهم، وقد وقع الحسنان عل صدر اُمّهما فاطمة (عليها السلام).
يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): "ولقد كسر قلبي حسين حين سمعته يقول: اُمّاه كلميني، أقسم عليك بجدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأبي أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ تكلّميني".
وهنا حدث أمر معجز لا يمكن لقانون الطبيعة أنّ يصمد أمامه، فلابدّ من الإيمان(1); فالإيمان أقوى من البرهان، فما الذي حدث؟.
يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): "أُشهد الله أنّها حنّت وأنّت، وأخرجت يديها من الكفن، وضمتهما إلى صدرها مليّاً، وإذا بهاتف من السماء ينادي: يا أبا الحسن ارفعهما عنها فلقد أبكيا والله ملائكة السماء وقد اشتاق الحبيب إلى حبيبه فرفعهما عنها، وعقد الرداء عليها"(2).
وصلّى عليها ومعه الحسن والحسين وعقيل وعمار وسلمان والمقداد. وأبو ذر، وبعض الخيرة من بني هاشم(3).
علي (عليه السلام) يوسّد الزهراء (عليها السلام) في قبرها
وفي جنح الليل البهيم، وقد نامت العيون، وهدأت الأصوات، وقد حملت الجنازة الطاهرة إلى القبر المقدّس، ونزل أمير المؤمنين (عليه السلام) في قبرها متجلداً صابراً قد شمّر عن أردانه، وتناول بَضعة رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأضجعها في لحدها بكلّ رفق.
وقد عزّ على علي (عليه السلام)، أن يوسّد خدّها الطاهر; ذلك الخدّ الذي طالما تعفّر بين يدي الله أنّ يوسّده التراب وقال: "بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله محمد بن عبد الله، سلّمتكِ أيّتها الصدّيقة إلى من هو أولى بكِ منّي، ورضيت لكِ بما رضي الله لكِ". ثمّ قرأ: "(مِنهَا خَلَقنَاكُم وَفِيهَا نُعِيدُكُم وَمِنهَا نُخرِجُكُم تَارَةً اُخرَى)(4)"(5).
وفي (الإصابة): (إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لمّا أنزلها في القبر وسوّاه عليها سألها المكان: مَن ربّك؟ قالت: "الله ربّي"، قالا: ومَن نبيّكِ؟ قالت: "أبي محمّد (صلى الله عليه وآله)"، قالا: ومَن إمامك؟ قالت: "هذا القائم على قبرى علي بن أبي طالب (عليه السلام)")(6).□
وبعد أنّ نفض أمير المؤمنين (عليه السلام) يده من تراب القبر، ولم يبقَ عند القبر غيره; هاجت به الأحزان، وتفجّرت من أماقيه الدموع، وأنشأ يقول:
أرى علل الدنيا عليّ كثيرةً وصاحبها حتى الممات عليلُ
لكلّ اجتماعٍ من خليلين فرقةٌ وكلّ الذي دون الفراق قليلُ
وإنّ افتقادي فاطماً بعد أحمد دليلٌ على ألاّ يدومَ خليلُ(1)
وقال أيضاً:
نفسي على زفراتها محبوسةٌ يا ليتها خرجت مع الزفراتِ
لا خير بعدكِ في الحياة وإنّما أبكي مخافة أن تطول حياتي(2)
عليّ (عليه السلام) يندب الزهراء (عليها السلام)
ثمّ حوّل (عليه السلام) وجهه إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: "السلام عليك يا رسول الله عنّي وعن ابنتك النازلة في جوارك، والسريعة اللحاق بك.
قلّ يا رسول الله عن صفيّتك صبري، ورقّ عنها تجلّدي، إلاّ أن في التأسّي(3) لي بعظيم فُرقتك، وفادح مصيبتك موضع تعزٍّ(4)، فلقد وسّدتك في ملحودة قبرك، وفاضت بين نحري وصدري نفسك، فـ(إنَّا للهِ وَإنَّا إلَيهِ رَاجِعُونَ)(5).
فلقد استُرجعت الوديعة، وأُخذت الرهينة، أمّا حزني فسرمد، وأمّا ليلي فمسهّد(6); إلى أنّ يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم، وستنبّئك ابنتك بتضافر اُمّتك على هضمها، فأحفها(7) السؤال، واستخبرها الحال.
هذا ولم يطل العهد، ولم يخلُ منك الذكر، والسلام عليكما سلام مودّع لا قالٍ(8) ولا سئم(9)، فإن أنصرف فلا عن ملالةٍ، وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين"(10).
"واهاً واهاً! والصبر أيمن وأجمل، فبعين الله تدفن ابنتك سرّاً، ويهتضم حقّها قهراً، ويمنع إرثها جهراً، فإلى الله يا رسول الله المشتكى، وفيك يا رسول الله أجمل العزاء. فصلوات الله عليها وعليك; ورحمة الله وبركاته"(11).
تعالوا معاً لنرى علي بن أبي طالب (عليه السلام) ذلك الطود الشامخ الذي صبر خمساً وعشرين سنة وهو الذي قال: "صبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجاً" وهو الذي صبر في القتال والجهاد، يقول بعد وفاة الزهراء (عليها السلام): "قلّ يا رسول الله عن صفيّتك صبري". فتدبّروا حجم المصيبة على قلب علي (عليه السلام)، واعرفوا بذلك قدر فاطمة (عليها السلام).
قال الشيخ كاظم الأزري:
ولأي الاُمور تدفن سراً بَضعة المصطفى ويُعفى ثراها
فمضت وهي أعظم الناس وجداً في فم الدهر غُصّة من جواها
وثوت لا يرى لها الناس مثوىً أيُّ قدسٍ يضمّه مثواها(12)
وقال الشيخ علي الجشّي القطيفي:
أمن العدل أنّ بَضعة طه قبرها لم تجد به من خبيرِ
ليس يدري بقبرها زائروها فتراهم في حسرة وزفير
لا تلمها في نوحها إنّ أشجى ما على الزائرين فقد المزور(13)
وفي (البحار) أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) لمّا حضرته الوفاة، دعا علياً وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وقال لمن في بيته: "اخرجوا عنّي".
وقال لاُمّ سلمة: "كوني على الباب فلا يقربه أحد".
ثمّ قال لعلي: "ادنُ منّي". فدنا منه فأخذ بيد فاطمة فوضعها على صدره طويلاً، وأخذ بيد عليّ بيده الاُخرى، فلمّا أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) الكلام غلبته عبرته; فلم يقدر على الكلام، فبكت فاطمة بكاءً شديداً، وعليّ والحسين والحسين (عليهم السلام) لبكاء رسول الله (صلى الله عليه وآله).
فرفع رأسه إليهم، ويد فاطمة في يده فوضعها في يد عليّ (عليه السلام) وقال له "يا أبا الحسن وديعة الله ووديعة رسوله محمّد عندك، فاحفظ الله واحفظني فيها، وإنّك لفاعل هذا.
يا علي هذه والله سيدة نساء أهل الجنة من الأولين والآخرين، هذه والله مريم الكبرى(14).
أمّا والله ما بلغت نفسي هذا الموضع حتى سألت الله لها ولكم، فأعطاني ما سألته.
يا علي أنفذ ما أمرتكَ به فاطمة; فقد أمرتها بأشياء أمر بها جبرئيل.
وأعلم يا علي أنّي راضٍ عمّن رضيت عنه ابنتي فاطمة، وكذلك ربّي وملائكته".
... ثمّ ضمّ (صلى الله عليه وآله) فاطمة إليه وقبّل رأسها وقال: "فداك أبوك يا فاطمة"(
هنا ثلاثة أقوال:
القول الأوّل: إنّها مدفونة في البقيع.
جاء هذا في بعض المصادر كـ(طبقات ابن سعد)، و(مروج الذهب) للمسعودي، و(الاستيعاب) و(تاريخ الإسلام) وغيرها.
القول الثاني: إنّها (عليها السلام) مدفونة في بيتها.
واختاره جمع من العلماء منهم السيد ابن طاووس في (الإقبال) صفحة 624، والعلاّمة المجلسي في (البحار) ج43: 185، والعلاّمة الأمين العاملي في (الأعيان) ج1: 322، والشيخ الصدوق في (من لا يحضره الفقيه) ج2: 341/1573 ـ 1575، وقال: (اختلفت الروايات في موضع قبرها عليها السلام فمنهم من روى أنّها دفنت بين القبر والمنبر، ومنهم من روى أنّها دفنت في بيتها فلمّا زادت بنو اميّة في المسجد صار في المسجد وهذا هو الصحيح عندي).
وقد ورد في بعض الأخبار ما يدلّ على ذلك، فعن (عيون أخبار الرضا (عليها السلام)) للصدوق بسنده عن أحمد بن محمد البزنطي قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن قبر فاطمة (عليها السلام) فقال: "دفنت في بيتها، فلمّا زادت بنو اُميّة في المسجد صار في المسجد"(1).
القول الثالث: إنّها (عليها السلام) مدفونة في الروضة.
واختار هذا القول بمعية القول الثاني الشيخ الطوسي في (التهذيب)، بمعنى أنّه يرى صوابية أحد القولين الأخيرين وبُعد القول الأول عن الصواب.
قال في (التهذيب): (الأصوب أنّها مدفونة في دارها أو في الروضة.
وهاتان الروايتان كالمتقاربتين، والأفضل عندي أن يزور الإنسان من الموضعين جميعاً، فإنّه لا يضره ذلك، ويحوز به أجراً عظيماً.
وأمّا مَن قال: إنّها دفنت بالبقيع، فبعيد عن الصواب)(2).
وذهب العلاّمة الطبرسي إلى ما ذهب إليه الشيخ الطوسي فقال ما نصّه: (القول الأوّل بعيد ـ أي كونها مدفونة بالبقيع ـ والقولان الآخران أشبه وأقرب إلى الصواب، فمن استعمل الاحتياط في زيارتها (عليها السلام) زارها في المواضع الثلاثة)(3).□