هذه قصه نقلتها لكم عسى أن تعجبكم
ــــــــــــــــــــــــــ
بسم الله الرحمن الرحيم
.•:*¨`*:•. حنين إلى الماضي .•:*`¨*:•.
للكاتبة /زهرة البنفسج
**( مقدمـة )**
إنها السابعة والنصف صباحا.. هممت مسرعة.. أحاول أن أجمع أغراضي.. فمحاضرتي تبدأ في الساعة الثامنة.. ولا أملك الوقت الكافي للوصول إلى جامعتي.. لا أعلم أين أضعت أحمر الشفاه.. لا وقت لدي للبحث عنه.. ارتديت عباءتي وأخذت أبحث عن فردة حذائي.. سحقا أين ذهبت.. بحثت تحت السرير.. تحت الطاولة.. بين الأغراض.. أين اختفت.. ربما أخذها أخي الصغير..
أخذت أصرخ بأعلى صوتي "أمـي.. أمـي" فاستجابت لندائي.. وأخذت توبخني.. مستنكرة من تواجدي للآن في المنزل.. حيث إنها كانت تعتقد.. إنني في طريقي إلى الجامعة.. سألتها إذا ما كان أخي الصغير "طارق" قد.. أخذ فردة حذائي.. فقالت "كعادتكِ يا ريم.. تنثرين أغراضكِ هنا وهناك.. ثم تتهمين المسكين طارق, دعيني أبحث لكِ عنها".. وسبحان الله..
لم تأخذ والدتي ثوانٍ حتى أحضرت لي فردة الحذاء.. ترفعه باشمئزاز.. وقد وضعت يدها على خصرها.. قائلة "كان إبرة قد ضاعت في كومة قش"..
سارعت.. إلى سيارتي.. فصرخت والدتي "كوني حذرة يا ريم, فلن تهرب الجامعة".. طبعا ذهبت كلماتها أدراج الرياح.. وأخذت أقود سيارتي بأكبر.. فلم يتبقى لي إلا عشر دقائق.. على بدء الحصة..سرعة
وصلت جامعتي في زمن قياسي.. نزلت وأنا أثرثر "سأسجل في كتاب (جينيس)".. كانت قد بدأت محاضرتي.. طرقت الباب وإذا بدكتورة المادة تشير لي بيدها رافضة دخولي إلى الصف.. حاولت أن أرسم على ملامحي شتى صور البؤس.. والبراءة.. ولكن ذهب تمثيلي هباء.. فدكتورتي كانت أقسى من أن ترحم براءة متصنعة..
ربما.. من هذه المقدمة.. أدركتم من أكون.. أنا ريم.. طالبة في علم النفس.. أبلغ الواحدة والعشرون عاما.. لديّ أخ يبلغ الأربعة أعوام.. اسمه طارق ". أعترف إنني فتاة متهورة.. وعنيدة..
هاتفت رفيقتي "بسمة".. إنها مازالت في منزلها فمحاضرتها تبدأ في وأخبرتها بمعاناتي هذا الصباح.. كانت التاسعة تضحك بين جملة وجملة.. وتقول انتظري.. سأوافيكِ بعد أقل من نصف ساعة..
كانت هذه الدقائق.. تمر ببطء.. أو أنا رأيتها كذلك.. عصافير بطني بدأت تصدر ألحانها معلنة احتجاجها لتركي إياها دون طعام.. توجهت إلى (الكفتيريا).. لأسكن من جوعي.. وأتناول وجبة الفطور..
رن هاتفي.. فأجبت مسرعة.. "وصلتي؟" ولكن فاجئني الصوت.. إذ كان ذكوري جدا, فهو غليظ.. ويثير الرعشة.. "عفوا.. يبدو إنني أخطأت الرقم".. كان هذا ما سمعته من خلف الهاتف.. وخاصة من ذلك الصوت..
لا اعرف.. ولكنني.. كنت سعيدة بهذا الصوت.. وقلت في داخلي "بالخطأ.. يا حرام"..
**لقاء الذكريات **
أجبت هاتفي الذي أصدر رنينه منبها إياي بوجود مكالمة ما.. تفاجئت إنها لم تكن صديقتي وتأسفت لأن صاحب المكالمة ذا صوت مميز...
كنت سارحة بأفكاري حين قاطعتني "بسمة": هيي تأخرت؟ .. نعم لقد سئمت الانتظار ولكن للحظة فقط نسيت أنني انتظر أحدهم.. وسافرت بي أفكاري إلى البعيد البعيد.. لم يطل لقائي مع صديقتي.. فهاهي تستعد لدخول محاضرتها.. وأنا الأخرى لابد أن أسرع لدخول محاضرتي قبل أن أكرر ما حدث قبل ساعة من الآن...
كنت أدرك إنني موجودة في محاضرة الخدمة الاجتماعية.. غير إنني واثقة أيضا إن وجودي وعدمه سيان.. ذاك الصوت.. أعاد لي ذكريات كنت قد اعتقدت إنها طويت.. وانتهت.. وذهبت أدراج الرياح...
أو ربما هو الحنين لتلك الأيام.. هو الشغف بغية تكرارها.. حاول دكتور المادة عدة مرات إيقاظي.. بصوته.. الذي يرتفع تارة وينخفض تارة أخرى... يفزعني صوته.. فأحاول أن أقفل بوابة ذكرياتي وسرعان ما يخفض من صوته لأعود لفتح أبوابي على مصارعها..
"مازن" الرجل الذي حلقت أفكاري عنده.. وتوقف عقلي عنده.. ورمشت عيناي لأجله.. وحبست دموعي كي ما تخرج بسببه...
عادت بي ذكرياتي إلى صيف مضى.. وعام انتهى.. إلى رجل تقاسم معي حرقة الشمس.. وتذوق معي ملوحة البحر.. ووزع مشاعري إلى مد وجزر.. ورحل بعد ما أهداني زبد البحر...
رجعت بي أفكاري.. لتذكرني.. بطفولة كبرت.. وبراءة نضجت.. عادت.. لتعزيني على أحلام ماتت.. وأماني لم تتحقق...
لم أشأ أن التقي بهذه الذكريات.. وإنما هي الصدفة التي سرقتني من نفسي ومن درسي.. لتأخذني إلى رجل فضل أن لا يكون بجانبي...
لكزتني زميلتي, محاولة تنبيهي أن المحاضرة انتهت.. وحان وقت المغادرة, فجمعت كتبي.. وذكرياتي.. ومضيت إلى مكان اللقاء المعهود بيني وصديقتي "بسمة"...
تناولت ورفيقتي كوبا قهوة.. وأخذنا نتبادل أحاديثنا.. فتارة نضحك.. وتارة نعلق.. وتارة نكتفي برشف القهوة.. ومراقبة الطلاب..
أو ربما اكتفت "بسمة" بذلك, ولكنني مازلت احتضن ذكريات الصيف الماضي.. في عقلي المشتاق.. وقلبي الولهان..
**( هدية التخرج )**
وكأني بذاك الصوت قد صفعني ليوقظني من محاولاتي الفاشلة في النسيان وليبرهن لي إنني مهما تجاهلت هذه الذكريات, فإنها ستعود.. لتعيد لي التفاصيل المواقف...
بدأت العطلة الصيفية.. ولكن بنكهة مختلفة هذه المرة.. فها أنا اليوم قد تخرجت من المدرسة الثانوية بمجموع لا بأس به.. يترك لي المجال لأن أطلب ما أريد.. كهدية تليق بخريجة من والدي العزيز..
وكنت قد رتبت بالفعل طلبي.. ولكن كانت المفاجاءة.. هي عدم سؤالي نوع الهدية.. فهديتي من والدي كانت تقف خارج المنزل.. ومفاتيحها يحملها بيده.. ويلوح بها يمينا وشمالا.. وقد ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه..
كنت خائرة القوى.. ولم يكن بمقدوري إلا الحملقة في المفاتيح المترنحة.. وأسنان والدي التي لم تقاوم ابتسامته العريضة.. فطلت لتساعده على التعبير عن فرحته...
احتضنت والدي بقوة قبل أن استلم مفاتيح سيارتي.. نعم.. فالسيارة كانت من إحدى رغباتي.. التي كنت واثقة بأنني سأحصل عليها في يوم من الأيام.. إلا أنها لا لم تكن هدية التخرج التي تمنيتها...
لم أخفي سعادتي لحصولي على هذه الهدية.. لكن.. أحلامي كانت تأخذني إلى الخارج.. نعم.. هذا ما كنت أريده.. أن أسافر بعيدا عن هنا...
أطلعت والدتي.. على هذه الأمنية الحبيسة.. فأخبرتني أن والدي قد لا يحصل على إجازة تخول إليه السفر إلى أي مكان...
استمتعت بقيادة سيارتي.. ورحت وصديقاتي نجوب الطرق.. ونتنزه ثم نتسوق.. ثم نلهو هنا وهناك... وذات يوم كنت قد خرجت وزميلات الثانوية إلى أحد المطاعم لنأكل وجبة الغذاء من ثم نذهب لمشاهدة أحد الأفلام في السينما.. ففاجأتني رفيقة لي تدعى "فاطمة" حيث أخبرتني أنها وأسرتها يعتزمون السفر إلى لندن.. في آخر الشهر..
لم أكن لأحدد البلدة التي أتمنى زيارتها.. ولكن تخيلت نفسي في هذه المدينة الأوروبية.. أجوب الطرق.. وأستمتع بمناظرها ومعالمها وأسواقها...
عدت إلى منزلي.. فأطلعتني والدتي أن والدي قد حصل على الإجازة.. كنت سأطير من فرط سعادتي.. وألححت على والدتي كي ما تقنعه بفكرة السفر إلى لندن نهاية هذا الشهر.. فرفيقتي "فاطمة" تعتزم ذلك