فات الاوان ... يامن ادعيت انك ابي ....فات الاوان فلتأخذ السماء انتقامنا منك .... نحن لا نحتاج رحمتك .. انت احوج اليها منا الان ............
لماذا الضمير يحتاج الى وقت لأيقاظه لماذا لا يستطيع تدارك ذلك لماذا صحوة الضمير وفوات الاوان مرتبطان كثيرا ....لماذا لا نستطيع ان نفصلهما لماذا لماذا لماذا ؟؟؟؟
كل هذه الأسئلة كانت تجول برأس رجل في اواخر الأربعين من عمره وهو يحملق في صور متبعثرة متناثرة على طاولة خشبية يضع عليها كلتا يديه اللتان تتأكلان بعضهما البعض ، ما اقسى تلك الصور وما تحملة من ذكريات تلاحق الانسان بذنب قد ارتكبه بحقها.
انها اسرة صغيرة تتكون من الوالدين وابنائهما : جمال الابن المتهور واللذي لا يمانع من تجربة الاشياء الجديدة ، جاسم اللذي يصاحب من هم اكبر منه سنا ، وهناك سهام الابنة اللتي كان اكبر همها الخروج من هذا البيت ، انهم كما يقال في زمننا الاسرة المثاليه للوقت الحاضر وهذا طبعا ليس بفضل اباهم اللذي قلما يراهم فهو اما يكون منشغلا في عمله واما يقرأ الجرائد في غرفته بعيدا عن مرأى ابناءه، واما يقضى وقته في الشرب خارج المنزل ، فوجوده وعدمه سيان ويكاد ان يكون العدم افضل،فحينما يحتاجون الابناء شيئا فهم يقصدون امهم حيث لاتراه هي الاخرى قبل منتصف الليل.
واستمر هذا الوضع وكبروا الابناء وكبر معهم احتياجهم لأب يأخذهم بحضنه في الشده ، يربت على اكتافهم عند اليأس ويرشدهم الى الصواب عندما يضيعون طريقه. ولكن كانت الأم بمثابة الأب والأم بالنسبة اليهم وكانت تحاول قدر الامكان بأن لا تشعرهم بالفجوة اللذي يسببه الأب ولكن..ليس هناك من يستطيع التعويض عن الأم الا الأم نفسها ، وليس هناك من يستطيع التعويض عن الأب الا الأب نفسه فلكلاهما دوره المعنى به.
نعم لقد حدث اللذي توقع بالحسبان ، نعم .. فقد ضاعوا .. ضاع الابناء .. فكما يقولون في مصر (( تربية ست )) كان يجب ان يندمج (حنان الام) بنظيره (شدة الاب) ولكن للأسف .. لقد التمس جمال طريق المخدرات بأندفاع كبير .. فهو لم يتردد لحظة واحده عن تجربه الاشياء الجديدة كما ذكرت ... اما جاسم فقد سقط في حفرة من الخمر ... واذا كنتم تظنون انه سقط بفضل اصدقائه الأكبر منه فأنتم خاطئون ... سقط بنفسه ؟ ايضا لا ... فالشخص اللذي بفضله ضاع الابن هو الاب .. نعم ، فهو لم يتردد لحظه في ارسال ابنه جمال لانه الاصغر سنا ان يشتري له الخمر ... ومن عادة الأطفال ان يتملكهم الفضول ... وهذا ادى الى ذاك ... فهذا الشبل من ذاك الأسد .اما سهام فأحبت لها شاب يكبرها بثلاثين سنة او بألأحرى رجل يكبرها بثلاثين عاما ، فهي لم تجد فيه الحب الحقيقي اللتي اخذت تتخيله دائما .. بل لتعويض ما غاب عنها من حنان الاب .
فكل اختار دربه اللذي يسلكه .
واين الأم من ذلك ؟؟ لقد حاولت ان تكلم الاب عن ابنائه ولكن لم تأتيها الفرصة فالزوج مشغول جدا جدا وضائع هو الاخر وكل يعيش عالمه الخاص اما الام قد حاولت جاهدا ان تستخدم اسلوب الشدة مع الابناء ولكن لقد كبروا فعلا على هذه التأثيرات .
سمع جمال شريط لداعية يتحدث فيها عن موضوع بعنوان (( هل فات الأوان حقا )) فقد تكلم فيه عن الذنوب ومهما كانت عظمتها فأن الله غفور رحيم ولم يفت الاوان بعد على تدارك المشكلة ، فتأثر جمال جدا بهذا الشريط .
فعاد الى المنزل . ودعا اخوته وامه الى التنزه خارج المنزل بسيارته الخاصه ، فوافقت الام عسى وعل الله يهدي ابنها ولكن لم يتجرأ احد منهم الى سؤال الاب وذلك اما لأنهم يعرفون جوابه مسبقا واما لانهم نسوا وجوده اساسا............................................. ..... ولأول مرة احس الأب بضيق يتخلل اعماقه ، يكتم انفاسه ،يخنق عبراته . واصبح عقله منشغلا بسؤال واحد .. هو سؤال صنع اجابته بنفسه (( لماذا )) .......... لماذا لم يدعوني الأبناء الى مشاركتهم ، ووسط دهشة جاسم وسهام ووسط ميدان مصارعته لهذا السؤال ، وضع جمال يداه على كتف اباه قائلا: اتود الذهاب معنا يا ابتاه ولكن الاب كالعاده ، لم يخيب توقعاتهم : اني حقا اود الأنظمام اليكم ولكن كما ترى اني مشغول .
سار جمال في خطوات بطيئة منحنيا رأسه الى الأسفل وقال في قرارة نفسه : بماذا كنت افكر ؟ فقد وددت فعلا لو تكون معنا لتسمع ماسمعته ولتفقه مافقهته ولتدارك مافوته،فدنا منه اخاه جاسم وهو يكتم ضحكته وهمس بأذنه : اتوقعت حقا انه سيوافق؟
وفي وسط حاجز صمت كاد ان يطول ، لولا ان كسرته الأم بقولها : اذا ماذا ننتظر ؟؟ فخرجوا جميعا ولكن الأب لم يدرك ان موافقته في تلك اللحظه قد تغير اشياء كثيرة وفوق كل ذلك سوف تغير مسار الاحداث القادمه ..... الأحداث اللتي ستكون منعطفا كبيرا في حياته.
اخذ الاب يكمل شرب وقراءة مابيديه ....... وبعد ساعات قليله رن الهاتف ..... لماذا يحس الاب بالضيق لرنينه فكأنما هو رنين سيلاحقه طوال حياته : الو؟؟ خرجت تلك العبارة من فمه ، وماهي الا لحظات حتى صرخ : كيف ؟؟ ماذا حادث؟؟ وسقطت السماعه من يديه .
لقد احس جمال قبل وقوع الحادث بوقت قصير بألم في يده فلم يستطع تحريكها ولم يستطع بالتحكم في المقود مما تسبب هذا بالحادث . دخل الاب المستشفى وعيناه غارقتان بالدموع التي اخذت تلومه بنتائج افعاله الشنيعه واهماله لابنائه في صغرهم ، فكانت المكالمة كصفعة تيقضه من سبات الضمير......حبذا لو ترجع تلك الساعات الى الوراء قليلا حبذا لو منحتهم وجودي حبذاهذا وحبذا ذاك........ ولكن فات الأوان.
وحين وصل الى غرفة العمليات جاء الطبيب واخبره بوفاةزوجته وابنه جاسم ، ففتح الأب ثغره من هول الصدمة وكاد ان يغشى عليه ولكن الصدمه لم تقف عند هذا الخبر فقد تابع الطبيب حديثه واخبره بأنهم اكتشفوا اصابة ابنه بالأيدز عند التحليل وان جمال مصاب بالسرطان في دمه بالأضافه الى اصابته بشلل يقعده على كرسي متحرك طوال حياته وانه لن يستطيع التكلم بعد الأن .
دخل الأب الى الغرفه ، رأى ابنه جمال ممددا مشلولا وبجانبه اخته التي كانت حينها شبه ميته واخذت تشير بالسبابة اليه كما لو كانت تريده ان يقترب منها فأقترب وقالت له بكلماتها المتقطعه وهي تصارع الموت : يـ .... يامن ادعيـ ...ت انك ابـ..ي .....لملم ششـ...تات نفسك ....فقد فات الأوان ....فلتـ...أخذ السماء .... انتقققـ ...امنا منك ... نحننن ... لا نحتاج رحمتك ولا شفففـ...قتك .... فأنت احوج اليــها ..منننا ..ا..ا..كرهـ . وتلفظت انفاسها الاخيره ولكن السبابه لم تزل صامده امام دموع الأب .
لقد مرت سنتان ونصف مريرة على الحادث ولكنه يذكر تفاصيله كما لو حدث منذ لحظات ، رفع الاب يده والسيجاره بين السبابة والوسطى فتشق طريقها الى ثغره ليتجرع منها رشفه الندم المرير فيتصاعد الدخان من فمه كما لو كان متنفسا عما بداخله فعندما تتقلص السيجارة وتكاد حرقتها ان تلامس انامله ، يرميها في كوب صغير ممتلئ بعدد كبير من السجائر المستعمله ليشعل سيجارة اخرى وهكذا كأنما ينتظر ان يسقط ميتا .
اما اليد الاخرى فأن اناملها تداعب الصور وكلما ينتقي صورة لأحد افراد اسرته اصابعه تتحسسها كانما يحاول ان يتحسس ملامحهم ، فكأنما ينظر لأول مرة اليهم فهو قد كان منشغلا لدرجه تمنعه من النظر الى وجوههم في معظم الأوقات ولكن هناك شيئا مؤكدا وهو لن ينسى تلك الوجوه مهما حصل.
وعند لحظة ما ادرك شيئا فهناك صورة لابنائة وزوجته وهناك الصورة العائليه اللي تضمهم جميعا ماعداه فأخذ يمسح على الصورة العائليه كانما يبحث عن نفسه بينهم ... فلماذا الضمير يحتاج الى حدث كبير لأيقاضه لماذا الانسان لا يشعر باللذي بيديه الا عندما يفقده لاي درجه من السذاجه قد يصل اليها النسان لماذا يسأل والجواب امامه هل هواعمى ؟؟ اذا لماذا؟؟ ولماذا لا ننسى عندما نحتاج الى النسيان لماذا عندما اسأل اجد نفسي منساقه الى اسئلة اخرى ؟؟
اتمنى ان تعجبكم القصة وهي قصة من تاليفي ولكن الهدف واضح منها وبالصراحه هي اول قصة لي