انقلاب في الأولويات والتحالفات
انقلاب في الأولويات والتحالفات
الأحداث التي تلاحقت في عالمنا العربي خلال الأسبوعين الأخيرين تتجاوز قدرة العقل على الاستيعاب، فضلا عن التصديق، الأمر الذي يصيب المرء بخليط من الدهشة والذهول، ويسرب إليه شعوراً قوياً بالجزع على الحاضر والخوف من المستقبل.
(1) من كان يتصور مثلاً أن يأتي زمان تتراجع فيه قضية فلسطين في الخطاب الرسمي العربي، بحيث تغدو إيران هي الخطر الذي يهددنا وليس إسرائيل؟ ومن كان يتصور أن يسهم العالم العربي في حصار فلسطين وتجويع شعبها، في حين يستنفر النظام العربي لإطلاق سراح اسير إسرائيلي وهو الذي سكت سنوات طويلة على احتجاز إسرائيل عشرة آلاف فلسطيني؟ ومن كان يتصور أن يسقط الصراع العربي الإسرائيلي من الأجندة، بحيث يستأثر بالضوء صراع قديم وسقيم بين السنة والشيعة؟ ومن كان يتصور أن ينفجر الوضع في غزة بحيث يقتل الفلسطينيون بعضهم بعضاً في النهار، ثم تأتي الغارات الإسرائيلية في الليل لقصف الجميع بلا استثناء؟ ومن كان يتصور أن تسيل دماء العراقيين أنهاراً كل يوم بحيث يتعرض أهل العراق لما يشبه الإبادة ويتواصل مسلسل تآكل البلد وتقطيع اوصاله، في حين يقف العالم كله متفرجاً، والعالم العربي ذاهلاً ومبهوتاً؟ ومن كان يتصور أن يذهب رئيس العراق «المحرر« إلى الولايات المتحدة ليطلب استمرار الاحتلال عدة سنوات قادمة؟ ومن كان يتصور أن يترك العرب لبنان ويتخلوا عنه وهو يتعرض للعدوان والتدمير، لتطلق فيه بعد ذلك يد قوى الهيمنة لتعبث بمقدراته وترعى تفجيره من الداخل؟ ومن كان يتصور أن ينفض العرب من حول السودان بحيث يتركونه وحيداً وبلا ظهر في مقاومته جهود التدويل والتمزيق والتركيع التي تقودها الولايات المتحدة، منطلقة من دارفور؟ ومن كان يتصور أن ينتكس العالم العربي بحيث يخضع للوصاية الأمريكية في بدايات القرن الحادي والعشرين، وهو الذي كافح طويلاً ودفع ثمناً باهظاً حتى تخلص من الوصايتَين البريطانية والفرنسية في القرن العشرين؟ عديدة هي الأسئلة التي تعبر عن مدى عبثية المشهد العربي. لكن ذلك كله في كفة، والتقارير التي ظهرت الأيام الأخيرة متعلقة بخلفيات المشهد في كفة أخرى. (2) في الثالث والرابع من شهر أكتوبر الحالي نشرت صحيفتا «الأخبار« اللبنانية، «والقدس العربي« اللندنية معلومات مثيرة حول الاتصالات التي قامت بها الولايات المتحدة في اعقاب الفشل الإسرائيلي في الحرب على لبنان. أشارت تلك المعلومات إلى أن الحيوية التي دبت في ذلك الشارع العربي خلال الاسابيع الخمسة التي استمر فيها العدوان الإسرائيلي على لبنان، احدثت نقلة نوعية مهمة في الوجدان العام، حققت أول مرة توازناً مع موقف الأنظمة العربية، الذي ظل ضاغطاً عليها طول الوقت. وهو ما رصدته الأجهزة المختصة في الولايات المتحدة، الأمر الذي دفعها إلى إيفاد مسئول كبير إلى المنطقة على وجه السرعة، زار الأردن قبل أن ينتقل إلى إسرائيل ويتوجه بعدها إلى ثلاث دول عربية أخرى. وكان هدف الزيارة هو الدعوة إلى احتواء الموقف في المنطقة بعد حرب لبنان، خصوصاً في الساحة الفلسطينية. تم للمبعوث ما اراد، واتفق خلال جولته على عقد اجتماع سياسي أمني قبل سفر الرئيس محمود عباس إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان مقرراً أن يعقد عدة اجتماعات مع المسئولين الأمريكيين هناك. والرسالة التي نقلها المبعوث الأمريكي في هذا الصدد اشارت بوضوح إلى أن ترتيب اجتماعات رئيس السلطة الفلسطينية في الولايات المتحدة مرهون بأمور عدة، أبرزها عدم تنفيذ الاتفاق مع حركة حماس على قيام حكومة الوحدة الوطنية، مع تجميد الملف حتى اشعار آخر، لأن هناك فرصة لتغيير الوضع برمته على مسرح المنطقة، بعد الذي حدث في لبنان، حيث اصبح الهدف هو اجهاض دور «محور الشر« الذي تقوده إيران وسوريا، ويشمل حزب الله وحركة حماس. ومما تسرب عن ذلك الاجتماع أن المبعوث الأمريكي شدد على «ضرورة مبادرة النظام العربي الرسمي الذي تحكمه غالبية سنية، للقيام بما يلزم من أجل منع تمدد قوى النفوذ الإيراني الذي يبدو أنه يتعاظم داخل العراق نفسه«. وفقاً للترتيبات المتفق عليها، عقد الاجتماع المشار إليه في العقبة بالأردن، وحضره ممثلون عن الأجهزة الأمنية في أربع دول عربية، بينها دولتان خليجيتان، وشارك فيه الرئيس محمود عباس بصحبة مدير المخابرات الفلسطيني توفيق الطيراوي. وكان من بين حضوره رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشين بيت) يوفاك ديسكن. ومن أهم الامور التي نوقشت في الاجتماع ضرورة مواجهة التحالف الذي يجمع إيران وسوريا وحزب الله، عن طريق احكام الحصار حول حزب الله. والتنسيق بين الدول المشاركة للتصدي «للإرهاب المتنامي« خصوصاً في الساحة الفلسطينية. وفي هذا الشق الأخير انصب الكلام على ضرورة اسقاط حكومة حماس. وكان البديل المطروح هو تشكيل حكومة طوارئ تتولى إدارة البلاد وفق القانون الفلسطيني مدة ثلاثين يوماً، يتم خلالها ترتيب أمر الحكومة البديلة. وحين تحدث أبومازن عن صعوبة ابعاد حماس بصورة نهائية، فانه سمع كلاماً واضحاً خلاصته أن المجتمع الدولي لن يقبل تحت أي ظرف مفاوضة حماس إذا لم تعترف بإسرائيل. ونصح بعدم التمسك بوثيقة الأسرى، (التي لم تتحدث صراحة عن الاعتراف بإسرائيل) والعودة إلى برنامج منظمة التحرير، مع مطالبة حماس بالقبول بكل الاتفاقات الموقعة مع إسرائيل، وبتأييد المبادرة العربية التي اعلنت في بيروت، والتي تقود إلى الاعتراف بورقة اللجنة الرباعية. هذا الكلام نشر وجرى تداول معلوماته من خلال منابر إعلامية عدة، ولم يعقب عليه احد، ولم ينف مضمونه احد. (3) ثمة اشارات اخرى قادمة من إسرائيل تسلط اضواء أقوى على المشهد. ففي يوم الاربعاء 27/9 بثت الإذاعة الإسرائيلية العامة باللغة العبرية حديثاً للجنرال عامي ايالون، احد قادة حزب العمال والمرشح لرئاسته (في السابق كان رئيساً لجهاز المخابرات الداخلية «الشاباك«) - قال فيه ما نصه: «علينا أن نشرع على الفور في بذل كل الجهود الممكنة من اجل اقامة تحالف بين إسرائيل وبين الدول المعتدلة في المنطقة. وتلك اهم العبر التي يتعين استخلاصها من تجربة الحرب الأخيرة ضد حزب الله«. ولم يكن الرجل وحيداً في اطلاق هذه الدعوة، لأن وزير الخارجية السابق سليفان شالوم ردد نفس الكلام في الليلة السابقة، أثناء حديث له إلى قناة التليفزيون العاشرة. وهي ذات الفكرة التي تحدث عنها القائم بأعمال رئيس الوزراء شيمون بيريز حين ذكر أن حسم المعركة في مواجهة حماس وحزب الله وإيران لا يمكن أن ينجح إلا بالتعاون مع الدول «المعتدلة« في المنطقة. أثار الانتباه في تصريحات الجنرال عامي ايالون قوله: ان قادة الأنظمة العربية التي وصفها بالمعتدلة، يعتبرون أن تواصل المقاومتَين الفلسطينية واللبنانية، ونجاح إيران في تطوير مشروعها النووي، يهددان الاستقرار في بلادهم، بنفس القدر من الخطر الذي يمثله ذلك على إسرائيل. وهذه الفكرة عبر عنها سليفان شالوم حين قال: انه أثناء توليه وزارة الخارجية عقد عدة لقاءات سرية وعلنية مع مسئولين كبار في دول عربية لم يسمها، بعضها ليست لها علاقات مع إسرائيل. وفي وصفه تلك اللقاءات قال: «لا يمكنكم أن تتصوروا حجم الضيق والضجر الذي تشعر به قيادات تلك الدول من تواصل المقاومة الفلسطينية ومن مجرد وجود حزب الله«. استطراداً من هذه النقطة فإن الجنرال افرايم سنيه رئيس كتلة حزب العمل في البرلمان الإسرائيلي لفت الانتباه في مقابلة أجراها مع إذاعة الجيش الإسرائيلي (يوم 27/9) إلى أن للدول العربية مصلحة أكيدة - تماماً مثل إسرائيل - في عدم نجاح حركات المقاومة في فلسطين ولبنان في تحقيق انجازات سياسية، لأن من شأن ذلك احراج الأنظمة، ومنازعتها شرعيتها. وامتدح الطريقة التي تجرى بها الانتخابات في تلك الدول قائلا: إنها لو كانت حرة ونزيهة لفازت الحركات الإسلامية التي تمثل تهديداً لتلك النظم ولإسرائيل أيضاً. من الملاحظات المهمة في هذا الصدد أن وزير الحرب الصهيوني عمير بيريتس انضم إلى دعوات تعزيز موقف «المعتدلين« في العالم العربي والتحالف معهم. وكذلك الأمر مع كل من الوزيرين اسحاق هوتزوع ومائير شطريت وغيرهما. لكن اللافت للانتباه أن اصحاب هذه الدعوات يرفضون في نفس الوقت تقديم أي تنازل يمكن أن يساعد أنظمة الحكم «المعتدلة« في العالم العربي على اقناع شعوبها بالتحالف مع إسرائيل والتعاون معها في مجال محاربة الحركات الإسلامية. وهو ما دفع الصحفي موتي كير شنباوم إلى توبيخ الوزير شالوم عندما كرر عبارة «يجب أن نعزز معسكر الاعتدال في العالم العربي« قائلاً: «هل تعتقد أن رفع شعار محاربة الإسلام الأصولي يمكن أن يقنع الجماهير العربية بابتلاع التحالف معنا؟«. من ناحية أخرى فإن وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي والرئيس السابق لجهاز «الشاباك« اشار في مقابلة مع إذاعة الجيش الإسرائيلي إلى أن معظم الدول العربية لها نفس المصلحة في عدم نجاح حكومة حماس، على اعتبار أن نجاحها يعني فتح المجال أمام عهد جديد في المنطقة، تتبوأ فيه الحكومات الإسلامية الحكم. ومثل سابقيه رفض ديختر تقديم تنازلات للأنظمة العربية من أجل دفعها للتحالف مع إسرائيل في الحرب ضد الحركات الإسلامية، قائلاً: «لماذا نقدم لهم التنازلات، فهم اصحاب مصلحة مثلنا في نجاح تلك الحرب؟«. (4) ماذا يعني ذلك كله؟ قبل الإجابة عن السؤال، انبه إلى أن المعلومات والأفكار التي استعرضتها ترسم صورة للكيفية التي يفكر بها الآخرون، والأهداف التي يتطلعون إلى تحقيقها. وما يريده هؤلاء لا يعني بالضرورة أنه قدر مقطوع بوقوعه وقضاء لا سبيل إلى رده. لأن تنزيله على أرض الواقع مرهون بإرادة الأطراف العربية المعنية ومدى الممانعة المتوافرة لديها، وهي الممانعة التي تثار حولها اسئلة كثيرة، منذ أن اختبرت في موقفها من العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان. ان المطلوب والمستهدف الآن امريكياً وإسرائيلياً هو احداث انقلاب في اولويات العالم العربي وتحالفاته. في ظل ذلك الانقلاب يهمش الصراع العربي الإسرائيلي، بحيث تصبح قضية فلسطين شأناً داخلياً يتم التفاوض حوله وتسويته بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني. اما «القضية المركزية« المطلوب اشغال العرب وإسرائيل معاً بها، فهي الخطر الذي تمثله إيران النووية، التي يرون أن نفوذها يتمدد في المنطقة. وتسعى في ذلك إلى تدعيم قوى التطرف الممثلة في حزب الله وحماس، وغيرهما من الحركات «الراديكالية« التي تهدد الأنظمة العربية بقدر ما تهدد إسرائيل. ولأن إيران دولة شيعية، ولأن خطر الهلال الشيعي يلوح في الأفق على نحو حجب عن الأعين رؤية نجمة داود، فلا سبيل إلى مواجهة «التحدي« إلا من خلال التحالف مع الدول السنية، شريطة أن تتوافر لها شرائط «الاعتدال«. ومعيار الاعتدال هنا يقاس بمقدار «تعاون« كل دولة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. أي بمقدار انسلاخها من محيط الأمة وتخليها عن استحقاقات الانتماءين العربي والإسلامي. لا استبعد أن تكون السيدة كونداليزا رايس في جولتها الأخيرة بالمنطقة قد وزعت على الأطراف المعنية أوراق الالتحاق بالحلف الجديد الاسرائيلي السني «المعتدل«. صدق او لا تصدق.
|