كيف يكون الفرج من دون احتساب ؟
إن الإنسان قد يُبتلى بأزمةٍ منَ الأزمات، فيظن بأنه لا مخرج من تلك الأزمة.. وقد يضطر إلى اللجوء لعشرات الناس، وسؤالهم من أجل حلِّ مشكلته تلك، ولكن الكل يتفق أنّهُ لا خلاصَ مِنْ هَذهِ المُشكلة.. لأن العقل البشري محدودٌ.. بينما القرآن الكريم يقول: {وَمَنْ يَتقِ الله يَجْعَلْ لهُ مَخرجاً، وَيَرزُقهُ مِنْ حَيثُ لا يَحتَسِبْ}.
وكعيّنة قرآنية على ذلك، مريم أم عيسى عليه السلام.. تلك المرأة التي ذهبت إلى مكانٍ بعيدٍ، وهي تحمل حملاً، ومتهمة بتهمة عظيمة.. وقد قيل لها: {مَا كَانَ أبوكِ امرأ سَوءٍ وَمَا كانتْ أُمُكِ بَغياً}.. إنّ أيَّ إنسانٍ إذا سمع هذه النسبة إلى أمه، فإنه لا يتحمل.. فكيف بهذه الفتاة الصالحة، والمرأة التي تضع حملها -وخاصة- لأول مرة؟!.. فالمرأة التي تضع حملها للمرة الأولى، تحتاج إلى قابلة.. فإذاً، هي في أزمة نفسية، وأزمة بدنية.. فمن الذي يُنقذها من الورطتين في ذلك المكان القصي؟!..
إن الله تعالى هو الذي فرّجَ عنها: أما بالنسبة إلى أزمتها الظاهرية، فقد قال تعالى: {فَكُلي وَاشرَبي وَقَرّي عَيناً}، فأسقطت النخلة عليها رُطبا جنيا، فاقتاتت من ذلك الرُطب.. وأما الأزمة النفسية: فهي امرأة متهمة بالفاحشة، والحال بأنّها مِنَ النِساء الممتازات في طوال تاريخ البشرية، فما هو الحل؟.. {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا}، أي هذا هو الأمر الذي كنا نخافه، وقد وقعتِ فيه.. ولكن {فَأشـارتْ إليّـهِ فقالـوا كيفَ نُكلمْ مَنْ كانَ في المَهدِ صَبياً}؟.. وإذا بالله عز وجل يشاء أنْ يُنطِقَ هذا الصبي الرضيع، ويبدو أنّ عيسى (ع) عندما تكلم كان في أول أيامه، فـ{قالَ إني عَبدُ الله آتاني الكِتابَ وَجَعَلني نَبياً}.
إنه لم يقل: سيجعلني نبياً، أو الآن جعلني نبيا، بل ذكر موضوع العبودية لله تعالى.. {وَجَعلني مُبَارَكاً أينمَا كُنتْ وَأوصَاني بالصَلاةِ والزكاةِ ما دُمْتُ حَياً}.. وقد قال هذه العبارة، وهو ينظر إلى أُخريات أيام حياته إذ قال: {والسَلامُ عليّ يَومَ وُلدْتُ ويومَ اموتُ ويومَ ابُعثُ حَياً}، وهو في المهد يفكر في يوم المبعث.. نعم، هكذا إذا شاء الرحمن، فرّج عن عبده المؤمن ظاهراً وباطناً.
علي ابراهيم