الشيخ فيصل مولوي**

لم تكن ثورة الحسين خروجاً على حاكم شرعي، لكنها كانت ثورة ضدّ حاكم متغلّب، انتزع من الأمّة حقّها في اختيار حكامها، وكان معروفاً بالانحراف والمجون، حتى كاد يجمع على ذلك علماء أهل السنّة والجماعة، كما ذكر ابن حجر في كتابه (الصواعق المحرقة). ولم يكن هدف الحسين إطلاق المذهب الشيعي، وإن كانت مأساة كربلاء تعتبر معلماً بارزاً في التاريخ، لم يعد الشيعة بعدها تجمعاً سياسياً مناصراً لأهل البيت، وإنما أصبحوا مذهباً متكاملاً له قواعده العقائدية والفقهية ومؤسساته الاجتماعية وتنظيمه المحكم. لقد كان هدف الحسين كما أعلنه هو (الإصلاح في أمّة جدّي) والقضاء على كلّ أنواع الضلالة والانحراف، حتى تجتمع الأمّة من جديد. وهو اجتماع لا يمكن أن يحصل مع بقاء الانحراف، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: (لا تجتمع أمتي على ضلالة). لقد كان الحسن حريصاً على وحدة الأمة فقبل المصالحة مع معاوية وتنازل له عن الأمر رغبةً في استعادة وحدة الأمة، وقد كان الحسين يسعى إلى نفس الهدف، لكن بطريق مختلف، لاختلاف الظروف.
كان جميع المسلمين في ذلك الوقت – حيث لم يكن هناك سنّة وشيعة بالمعنى المعروف اليوم – يعتقدون أنّ انتقال الحكم بالوراثة إلى يزيد أمر غير مشروع، وأنّ الحسين بما كان معروفاً به من تجرّد واستقامة وشجاعة أحقّ بهذا الأمر، لكنهم لم يخرجوا معه لمقاتلة جيش يزيد، حتى الذين بايعوه وطلبوا مجيئه إليهم خذلوه، أما كبار الصحابة فقد نصحوه بعدم الخروج، لكن قدر الله غالب، فوقعت المأساة التي كانت ولا زالت لطخة سوداء في تاريخنا المجيد.
من واجبنا أن نتساءل اليوم عن الأسباب الموضوعية لثورة الحسين رضي الله عنه. ولعلنا نحصرها في أمرين:
الأول: رفض التسلط على الحكم بدون مشورة الأمة.
الثاني: رفض الانحراف في ممارسة أعمال السلطة من قبل هؤلاء المتسلطين.
والأمران يتعلقان بالإمامة، وهي أول وأهمّ موضوع وقع فيه الخلاف بين المسلمين، وكان سبباً لإعمال السيف بين الفرقاء المختلفين. وعلى مدار التاريخ استقرّ الخلاف كما هو معروف بين نظريتين:
الأولى تقول: إنّ الإمامة تكون بالنصّ والتعيين من الله تعالى، وهي مذهب الشيعة.
والثانية تقول: إنّ الإمامة شورى بين المسلمين، وهي مذهب أهل السنّة والجماعة.
لكنني أقول: إنّ النظريتين تفتقدان آلية تنظيمية واضحة. فنظرية النص والتعيين وقع حولها خلاف كبير، وإن استقرّ الأمر عند الشيعة الإمامية على الأئمة الإثني عشر من أهل البيت، لكن خالفهم الكثير من الشيعة واعتقدوا بإمامة غير هؤلاء. كما أنّ هؤلاء الإثني عشر لم يتول الإمامة منهم فعلاً إلاّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وابنه الإمام الحسن لبضعة شهور قبل أن يصالح معاوية. أما الآخرون فلم يتمكنوا من تسلم السلطة، وبقيت لهم الإمامة بمعنى الإرشاد والتعليم والمرجعية الفقهية، وهي مسألة متّفق عليها بين السنة والشيعة، إذا نزعنا منها مسألة العصمة، ومسألة التثبت مما يروى عن هؤلاء الأئمة.
أما نظرية الشورى، فقد تمّت ممارستها بأسلوب معين في اختيار أبي بكر رضي الله عنه، حتى قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (لقد كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرّها)، ثمّ وقع اختيار الخليفة الراشدي الثاني بأسلوب آخر، ثمّ وضع عمر آلية لأسلوب جديد تمّ اختيار عثمان رضي الله عنه بموجبه من قبل الستة المبشرين بالجنّة، ثمّ تمّ اختيار علي رضي الله عنه من قبل أهل الحلّ والعقد وهم المهاجرون والأنصار، ثمّ انتهت الشورى في تاريخنا، وبدأ الحكم الوراثي ضمن العائلة المتسلطة، واستمرّ حتى انهيار الخلافة العثمانية في أوائل القرن العشرين.
ولا بدّ أن نشير هنا إلى أنّ نظرية الإمامة بالنصّ، توقفت عند الإمام الثاني عشر المهدي، وإخواننا الشيعة ينتظرون خروجه، وها قد مضى على ذلك أكثر من ألف ومائتي سنة، ولا ندري متى يخرج، فهل يظلّ المسلمون مستسلمين أمام من يتغلب ويتسلط على حكمهم؟ لقد اجتهد أئمة الشيعة ورأى أكثرهم أنّ الأمّة هي التي تختار من يحكمها بشرع الله، وقامت ثورة الإمام الخميني في إيران وحكمت بناءً على ذلك. وإذا كان السنة من حيث الأصل يرون أنّ المسلمين هم الذين يختارون حكامهم، فقد أصبحنا أمام نظرية واحدة تجمع المسلمين في هذه المرحلة، لكننا نحتاج إلى وضع آلية مناسبة تجعلنا جميعاً نتحرّك معاً لإقامة شرع الله، ولإنقاذ الأمّة من الحكام المستبدين. إننا لن نحاسب على أخطاء الآخرين التاريخية، لكننا سنحاسب إذا كررنا هذه الأخطاء، ومزقنا أمّتنا، وهي في مواجهة أخطر عدو يتربص بها الدوائر.
إنّ العولمة الأمريكية تنظر إلينا اليوم باستهزاء، لأنها نجحت في تمزيق أمتنا وإخضاعها، وهي تريد ابتلاعنا بالكامل، ولذلك أعلنت حرباً ضروساً ضدّ الإسلام والمسلمين تحت تهمة الإرهاب والتطرّف، بدأتها في أفغانستان، وتريد أن تنتقل بها الآن إلى العراق، وهي مستمرّة في فلسطين وكشمير والشيشان، وكانت قد ظهرت في ليبيا وإيران والسودان والبوسنة وكوسوفا...
إنّ أبعاد الغزو الأمريكي للعراق أخطر بكثير من إسقاط نظام، إنه يتناول الأمّة كلّها في دينها وأرضها وثرواتها وكلّ أبعادها. إنه يريد باحتلال العراق أن يضغط على سورية ولبنان لإيقاف الدعم المتميز للمقاومة الإسلامية – اللبنانية والفلسطينية -، ولكسر الموقف الصامد الذي تقوده سورية ضدّ العدوان الصهيوني الأمريكي على الشعب الفلسطيني. إنّ أمريكا تريد باحتلال العراق أن تضغط على الخليج كلّه، الخليج الذي قدّم لها كلّ شيء، ولكنها تريد ابتزازاً أكبر حتى الاستسلام الكامل والذي يشمل إعادة النظر بالمناهج الدينية نفسها، وهو أمر لا يمكن لأي حاكم أن يفعله، ولا يستطيع حتى لو أراد.
وتريد أمريكا باحتلال العراق أن تضغط حتى على تركيا وإيران، عن طريق التهديد بإقامة دولة كردية تؤدي إلى تمزيق تركيا وإيران والعراق، وتكون مقدّمة لتمزيق السعودية، وإعادة رسم خارطة المنطقة.
كلنا يعلم استبداد النظام العراقي وانحرافه، وأنه لا يمكن لمسلم الدفاع عنه. لكن القضية اليوم أنّ أمريكا تتذرّع بالنظام لضرب العراق كلّه شعباً وبناءً ومؤسسات، ولتصل من خلاله إلى ضرب أمّة العروبة والإسلام حتى تستطيع الانفراد بقيادة العالم. من أجل ذلك لا بدّ لنا أن نقف الوقفة التي يفرضها علينا ديننا، وتتطلّع إليها أمّتنا، وهي رفض الغزو الأمريكي مهما كانت الذرائع والأسباب.
فالحسين إمام المسلمين جميعاً، سنّة وشيعة. لقد غابوا جميعاً عن القتال معه، ولم يكن بعض الشيعة الذين بايعوه وخذلوه أقلّ مسؤولية ممن تخلّف عن الخروج معه من سائر المسلمين. لكن نظرة منصفة لما جرى بعدها تبين بوضوح أنّ جميع المسلمين كانوا صفّاً واحدا. في ثورة ابن الزبير على يزيد، وفي اعتصام الصحابة والتابعين في بيوت المدينة عند بيعة يزيد، وفي استباحة جيش يزيد للمدينة، وفي محنة أبي حنيفة ومالك بسبب حبهما لآل البيت وتأييدهما لمن خرج منهم، وفي قول الإمام الشافعي المشهور:
(إن كان رفضاً حبّ آل محمّد، فليشهد الثقلان أني رافضي).
إنّ الوحدة الإسلامية اليوم ليست شعاراً يطرح، إنها فريضة أوجبها الله علينا، وهي ضرورة يمليها علينا عدو واحد يريد أن يجتثّ إسلامنا وأمّتنا من الجذور، ويسخّر طاقات هائلة في هذا السبيل.
نحن بحاجة إلى مبادرة وحدوية تشمل الحركات والعلماء جميعاً لإقامة شرع الله في أمتنا، واستعادة وحدتها، ومجابهة أعدائها.
نحن أمّة واحدة تشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله، فلتكن حركتنا تعبيراً عن هذه الوحدة، (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا).