ذكـر صـاحـب كـتـاب ( قـصـص الارواح ) قـصـّة للعـلاّمـة الحـلّى ( قـدّس سـره ) .
قـال العـلاّمـة :
مـررت يـومـا بـمقبرة حينما كنت فى ( الحلّة ) ، فرايت قبرا خربا . قلت فى نفسى :
ليتنى اعرف حـال صـاحـب هـذا القـبـر بـعـد مـوتـه . وفـجـاءة ظـهـر شـابّ حـسـن الهـيـئة جـدّا مـن القـبـر ، وسـلّم عـلىّ وقـال :
هـذا قـبـرى ! لقـد كـنـت طـالبـا فـقـيرا وغريبا ، جئت من قريتى الى الحلّة لطلب العلم . سكنت حجرة لاحدى المـدارس وانـكببت على الدرس والتحصيل . وبعد مدّة مرضت مرضا شديدا حتّى انهكتنى العلّة يوما ، واصبحت لااطيق الحركة . وفجاءة دخل الغرفة شاب وسيم وقعد عند فراشى وساءلنى عن حالى . فاءلفته وانست به ، وشكوت إ ليـه سـوء حـالى ؛ لمـا كـنـت اعـانـيـة مـن الغـربـة ووطـاءة المـرض . حـثـّنـى عـلى الصـبـر ، ثـمـّ قـال لى :
سـاءحضر لك طبيبا ليعالجك . فوافقت على اقتراحه ، فقام من مكانه وخرج من الغرفة . حدّثت نفسى عن هذا الشابّ الذى يبدو بهذه الهيئة الحسنة ، ومن يكون هو ، ومن بعثه الى عيادتى انا الفقير والغريب ؟! وبينما كنت عـلى هذا الحال وإ ذا بالشابّ يدخل الغرفة بمعيّة رجل حسن الهيئة والخلقة ، فظننت انّه الطبيب الذى جاء لعلاجى ، فـشـكـرت الشـاب عـلى حـسـن صنيعه . قعد ذلك الرجل عند رجلىّ وطفق يدلك اصابع رجلى ، ثمّ انتقلت يداه الى رجـلى وسـائر جـسـمـى شـيـئا فـشـيـئا . فـزالت جـمـيـع الاوجـاع مـن جـسـمـى بـواسـطـة لمـسـه ، بـل شـعـرت بـلذه تسرى فى جسمى ايضا . وحينما وصلت يداه الى بلعومى رايت نفسى بغتة اقف فى زاوية من زوايـا الحـجـرة وانا سالم معافى ،الاّ اننى احسست بذعر شديد يهيمن على كيانى . فجاءنى الشابّ فورا ووقف جـنـبـى ليـسـكـن روعـى ، وخـرج الطـبـيـب مـن الغـرفـة وتـرك جـسـدى مـمـدّدا عـلى الفـراش . ومـا كـنـت اعـلم اوّل الامـر انّ هـذا الجـسـد هـو جـسـدى وانّ الذى يـقـف هـنـا هـو انـا الذى اصـبـحـت بـدون جـسـم . وفـى هـذا الاثـنـاء دخـل حـجـرتـى جمع من طلاّب المدرسة ، والقوا نظرة على جسمى ثمّ قالوا :
لقدمات هذا البائس ! وتقدّم بعضهم وحـمـلوا جـسـدى ووضـعـوه فـى تـابـوت ، واتـّجـهـوا بـه نـحـو المـقـبـرة .
قـال لى ذلك الشـابّ الجـمـيـل :
هـيـّا نـذهـب مـعـهـم ونـشـيـّع هـذه الجـنـازة ، فـذهـبـنـا مـعـهـم . اخـذوا جـسـدى الى المـغـسـل فغسّلوه وكفّنوه ، ثمّ دفنوه فى قبر معدّ فى المقبرة . وكنت طيلة هذه المدّة اقف جنب الشاب وانظر الى هذه المـراسـم . كـنـت انا والشابّ نقف على شفير القبر عندما سدّت منافذه ، وفجاءة انشقّ ووقعنا فى جوفه ثمّ انضمّ ثـانـية . حلّ بى فزع شديد ، فالتفت الشابّ إ لىّ قائلا :
إ علم انّك قد رحلت عن الدنيا ، وهذا الجسد الذى ورى الثرى هو جسدك ، وانّ ذلك الطبيب الذى خلّصك من جميع الا لام والاوجاع هو ملك الموت ! قلت :
فمن انت ؟ قال :
انا اعمالك الصالحة ، تمثّلت لك بهذه الصورة لازيل عنك الفزع والوحشة .
قلت :
ماذا سيجرى من الا ن فصاعدا ؟ اشـار الى نـاحـيـة مـن نـواحـى القـبـر ، فـفـتـح فـجـاءة بـاب يـؤ دّى الى روضـة كـبـيـرة وجـمـيـلة جـدّا ، وهـى تـرفـل بـالمـروج الخـضـراء ، وتـزهـو بـالاشجار المثمرة ، وفيها قصور عالية وجميلة جدّا . دخلت الروضة مع الشـابّ ، فـاسـتـقـبـلتـنى حورية كاءنّها شقّة قمر . تركنى الشاب فى احضانها وتوارى عن ناظرى . مكثت فى الروضـة وانـا فـى عـيـش خفيض منذ ذلك الحين حتّى هذه الساعة ؛ حيث جاءنى شخص وكدّر علىّ صفو عيشى قائلا :
هناك شخص يريد اللقاء بك . فخرجت من الروضة والتقيت بك ، وقد بيّنت لك ما حدث لى الى هذه الساعة .
ثمّ قال العلاّمة الحلّى ( رحمه اللّه ) :
وفجاءة نزلت روح ذلك الشابّ القبر وغابت عنّى
.