الكلام عن الجنس عموماً صادم للعقول ومستفز للمشاعر، ومؤرق لأصحاب البديهيات الجاهزة، ومقلق لعشاق المألوف والمعتاد، ولذلك سنحاول أن نجيب أولاً عن السؤال الخالد الذى تعتبرونه بديهياً "ماهو الجنس؟".
قال فرويد فى عام 1943 إجابة عن هذا السؤال "لا يكاد يشك إنسان فيما هو المقصود بكلمة الجنس، ولكن من المؤكد أن أول ما يتبادر إلى ذهنه من معانٍ هو معنى العيب الذى لا بد ألا يذكر".
وقال مالينوفسكى 1929 "الجنس ليس مجرد اللقاء الفسيولوجى بين إثنين ولكنه الحب وصناعته، إنه نواة الزواج وتكوين الأسرة، إنه فى الحقيقة يسيطر على كل مظاهر ثقافتنا، الجنس بمعناه الواسع هو قوة إجتماعية وثقافية وليس لقاء عابراً بين رجل وإمرأة".
قال عنه هنرى ميللر 1961 "الرجال يعشقون الجماع وكذلك النساء، ولكن ليس هذا معناه أن تقع فى حب كل من تجامعها".
ثلاثة عمالقة وضعوا الجنس على طاولة التشريح، وأخذوا فى دراسة شرايينه وأوردته وأعصابه، كل منهم رأه من منظوره الخاص....
فرويد رآه من كقوة سيكلوجية وبيولوجية، ومالينوفسكى أكد على ابعاده الإجتماعية والثقافية، أما هنرى ميللر فقد إستخدم فى رواياته التعبيرات الصريحة عن الجنس حتى يحدث الصدمة ويزعزع المعتقدات الشائعة ويمنح الجنس أبعاداً فلسفية وعميقة.
ما نخرج به من هذه الأقوال أو الآراء هو أن الجنس له أبعاده الإنسانية والشخصية البعيدة عن مجرد قدرة شخص على الإستجابة أو التأثير المثير.
كما ذكرنا فى مقالاتنا السابقة عن الحب، فإن اللغة الإنجليزية ليست بها ألوان الطيف بالنسبة لكلمة الجنس على عكس لغتنا العربية الغنية بالمترادفات مثل الجماع والسفاد والنكاح...الخ، فى اللغة الفصحى حتى نصل إلى التعبيرات العامية بما تسببه من خجل ومن دهشة أحياناً.
ونكرر أيضاً ما ذكرناه من قبل وهو أن غنى المترادفات لا يعبر بالضرورة عن غنى وخصوبة العلاقات.
فى اللغات الأجنبية فرقوا ووضعوا حدوداً بين الفعل الجنسى Sexual Act والسلوك الجنسى Sexual Behaviour، فالأول من الممكن أن يشمل مثلاً العادة السرية أو القبلة حتى الإدخال، أما الثانى فمن الممكن أن يشمل قراءة مجلة البلاى بوى أو إرتداء ملابس مثيرة، كما حددوا أيضاً أنواعاً مختلفة وأنماطاً متنوعة أو بالأصح أدواراً مختلفة ومتنوعة للجنس....هى:
Procreational
Recreational
Relational
الأول من أجل إنتاج الأطفال فقط
الثانى من أجل المتعة بدون أهداف أخرى
الثالث من أجل مشاركة إنسان نهتم به
وأعتقد أن هذه التقسيمات والتصنيفات والحدود هى من أجل الهرب من الإجابة عن السؤال الذى طرحناه وهو ماهو الجنس؟... وإن كنا قد فشلنا مؤقتاً فى وضع تعريف جامع مانع له فليس أقل من أن نتعرف على أبعاده.
أبعاد الجنس
· البعد البيولوجى:
كثيراً ما يشكو المريض لطبيب الصحة الجنسية من الضعف الجنسى مثلاً، ويكتشف الطبيب بعد السؤال والفحص ان السبب يكمن فى تناوله للكحوليات أو المخدرات أو حتى دواء الضغط أو القرحه أو إصابته بمرض السكر، فالإنتصاب ببساطة وعلى المستوى البيولوجى البحت إشارات عصبية وتدفق دم فى شرايين القضيب، وتناول أى شئ أو معاناة أى مرض يؤثر على هذين العاملين من الممكن بالتالى أن يؤثر على الإنتصاب، وهكذا من الممكن أن نطبق هذا على إستجابات جنسية أخرى غير الإنتصاب.
من الجوانب البيولوجية الأخرى للجنس دور الهورمونات فى تحديد الإستجابات وردود الأفعال الجنسية المختلفة بالنسبة للرجل والمرأة، لأن الهورمونات هى المسئولة عن السلوك شبه العدوانى عند الرجل أو الأكثر عنفاً، والمسئول أيضاً عن السلوك الأكثر عاطفية عند المرأة.
· البعد السيكولوجى:
الشجار المتكرر بين زوجين والنكد المزمن من الممكن أن يكون مجرد عرض لمرض أساسى فى العلاقة الجنسية، ونتيجة الخوف والخجل من البوح فإن كل مظاهر الخلل والقلق التى تسكن غرف النوم ليلاً تخرج كالثعابين من جحورها لتنقلب نكداً وخناقات وتلكيكات، والسبب معروف ولكنه كما يقال فى الأمثال الشعبية "مكفى عليه ماجور".
إذن من الممكن أن تقع المرأة فى بئر القلق الذى لا قرار له بسبب الجنس، ومن الممكن أن يفقد الرجل ثقته بنفسه والسبب هو الجنس أيضاً.
فالجنس بجانب كونه أداء جسدياً هو تفاعل نفسى بين الشخص وذاته، والشخص والآخر بكل مافيه من مشاعر وأفكار.
· البعد السلوكى:
عندما يهمس زميل فى أذنك "بقى لى تلات شهور ما قربتش من مراتى"، أو عندما تصارحك صديقة بأنها "أصبحت تخشى يوم اللقاء الجنسى"، وتكتمل الصورة حين يضيف الزميل بأنه يمارس العادة السرية حالياً، وحين تقول الصديقة أنه بعد أن كانا يمارسان الجنس ثلاث مرات أسبوعياً أصبحا يمارسانه كل شهر.
عندما تتردد هذه الشكاوى تجعلنا نفهم الجانب السلوكى للجنس، والذى هو حصيلة الجانب البيولوجى والسيكولوجى معاً... هذا الجانب السلوكى لا يجيب فقط عن سؤال ماذا نفعل؟، ولكنه يجيب أيضاً عن لماذا نفعل وكيف؟.... مثلاً هذا الزميل السابق إعتاد أن يمارس العادة السرية حالياً بحثاً عن ثقته بنفسه، وهذه الصديقة السابقة إنسحبت نتيجة مفاهيم معينة سلبية تجاه الجنس غرست فيها منذ الصغر..
فى هذا البعد السلوكى نقطة هامة وهى تجنب الحكم على سلوكيات الآخرين الجنسية من خلال قيمك ومفاهيمك الخاصة، فالبشر مصابون جميعاً يوسواس الطبيعى وغير الطبيعى، كل يحمل فيها أجندته الخاصة يدون فيها كعلماء الآثار هذا طبيعى وذاك غير طبيعى، وكأنه يبحث عن حفريات أو مقابر فرعونية!!.
الطبيعى دائماً هو مانفعله ونحس بالراحة حين نؤديه، وغير الطبيعى هو ما يفعله الغير ويبدو غريباً أو شاذاً بالنسبة لنا، فالمعايير مختلفة، وزوايا النظر متباينة، وانت حين تفعل ذلك تصبح كمن يريد أن يزن بضاعة بالكيلومترات، أو يقيس شارعاً بالكيلوجرامات!.
· البعد الإكلينيكى:
قديماً كان علاج الإضطرابات الجنسية يتم إما عند الدجال أو لدى رجل الدين، أما الأول فقد كان يبيع لهم الوهم، أما الثانى فكان يبيعهم للوهم!.
الآن من السهل أن تطرق باب أخصائى الصحة الجنسية أو على الأصح مجموعة معالجى الإضطرابات الجنسية وهم عدة تخصصات مختلفة، وكأنك تطرق باب طبيب لعلاج الإنفلونزا أو اللوز، ومن الممكن أن تغادر العيادة بعد أن تصافحهم قائلاً: "لقد فهمت نفسى أكثر، وتغلبت على مشاكلى".
هذا الكلام ليس خيالاً ولكنه واقع الآن فى الخارج، حيث فطنوا إلى هذا الجانب الإكلينيكى للجنس الذى يفحص ويشخص المشاكل التى تعترض العلاقات الجنسية، وتمنع أصحاب العلاقة من الوصول إلى الصحة والسعادة الجنسية وأيضاً تقديم الحلول الملائمة لها، وقد حدث هذا التقدم الهائل خلال الثلاثين سنة الأخيرة نتيجة شيئين هامين وهما:
-الفهم الأفضل للجنس كسلوك متعدد الأبعاد.
-ظهور علم جديد هو علم الجنس Sexology الذى فتح آفاقاً رحبة أمام هذا الفهم الأفضل.
· البعد الثقافى:
فى الصف الثالث الإعدادى وفى حصة العلوم دخل علينا المدرس مكفهراً عبوساً وكأن هموم الكون كله قد تركزت فى بؤرة رأسه الكريم، حين بدأت الحصة عرفنا أن السبب هو الجهاز التناسلى، فقد كان درس هذا اليوم هو الجهاز التناسلى للرجل والمرأة، وظل المدرس يقطع الفصل طولاً وعرضاً وكأنه أسد الحديقة، لا يعرف من أين يبدأ الدرس؟، وأنظارنا شاخصة إليه، منا المتفوق الذى يبحث عن الدرجة النهائية، ومنا الفضولى الذى يبغى مجرد مادة خصبة للنميمة، وفى النهاية تكلم الأستاذ، وتمخض الجبل فولد فأراً، قال لنا المدرس "الدرس ده مش مهم وعمره ما حييجى سؤال فى الإمتحان"، ثم تنفس الصعداء وكأن هماً ثقيلاً قد إنزاح، حينها أيقنا أن الأمر فيه خطأ ما، وأن هذا الجهاز ليس كغيره من الأجهزة... الهضمى أو الدورى أو التنفسى، ففيه سر مقدس وعيب شنيع وإثم مريع، وتساءلنا لماذا ضمنته الوزارة صفحات الكتاب برغم أن صندوق النقد الدولى لم يشترط عليها ذلك، وتوصلنا بعد أن داهمتنا الشيخوخة أن ذلك من أعراض النفاق والشيزوفرينيا!!.
يشكل المجتمع وثقافته وأصنامه جزءاً كبيراً وهاماً من مضمون ومعنى الجنس، إنه يتصدر مقدمة اللوحة ليطرد كل ما عداه إلى خلفية اللوحة فيصير الكل ظلالاً باهتة وألواناً كالحة عدا هذا المجتمع الوحيد الذى يمتلك الفيتو والمقعد الدائم فى مجلس الأمن السلوكى والأخلاقى.
تختلف ثقافات الشعوب إختلافاً رهيباً بالنسبة لمسألة الجنس فمن شعوب تعتبر أنه من كرم الضيافة أن يقدم المضيف زوجته للضيف، إلى شعوب أخرى لا تعرف حتى ما هى القبلة!!، كما أشار فورد و بيتش حين قالا عن أفراد أحد القبائل الذين إستلقوا على قفاهم من الضحك حين شاهدوا قبلات الأوربيين فى الشوارع وعلقوا قائلين: "إن الرجل يأكل لعاب المرأة وقذارة فمها وأسنانها"!!.
هذه الإختلافات ليست فقط تبعاً للمكان ولكنها أيضاً للزمان، فما هو لا أخلاقى هنا واليوم، قد يكون أخلاقياً هناك وغداً، فليس هناك على الإطلاق ما يسمى بالرقم الكودى الثابت فى كل مكان وزمان، والأخلاقيات لا تنمو فى الديب فريزر ولكنها تنمو وتترعرع فى الغابات الإستوائية حيث تختلف وتتباين الألوان والأشكال، وحيث تحيا وتتشكل كائنات، وأيضاً تموت وتندثر كائنات أخرى.
منقول ...........................................
__________________