هذه الرسالة تفيد بأنك غير مشترك أو لم تسجل دخولك بعد. للاشتراك الرجاء اضغط هنــا
|
|
|
|
![]() |
|
|
|||||||
| المنتدى الإسلامي مكتبة أسلامية لطرح القضايا والمسائل الدينية ويضم هذا المنتدى قسم الصوتيات والمرئيات الأسلامية... |
![]() |
|
|
LinkBack | أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
#2 (permalink) |
|
عضو مشارك
![]() ![]() ![]() |
فبرز إليه علي وهو يقول
لا تـعـجـلـنَّ فقـد أتـاك مجيـبُ صـوتِـكَ غير عاجـزْ ذو نـيّــةٍ وبـصـيــرةٍ والصـدقُ منجـي كـلَّ فـائـزْ انـي لأرجـو أن أقـيــمَ عـليـك نـائحـةَ الـجَنـائـز من ضربـةٍ نجـلاءَ يبقـى صِـيتُهـا بعـدَ الـهـزاهــز ولما تقابلا قال له عمرو من أنت قال أنا علي بن أبي طالب فقال يا بن أخي ليبرز إلي غيرك من أعمامك من هو أشد منك فاني أكره أن أقتلك لأن أباك كان صديقاً ونديماً لي في الجاهلية فقال علي ع إن قريشاً تتحدث عنك أنك تقول لا يدعوني أحد إلى ثلاث خلال إلا أجبت ولو إلى واحدة منها قال أجل فقال علي فاني أدعوك إلى الإسلام قال دع عنك هذه قال فاني أدعوك إلى أن ترجع بمن تبعك من قريش إلى مكة قال إذن تتحدث عني نساء مكة أن غلاماً مثلك خدعني قال علي فاني أدعوك إلى البراز قال اني لا أحب أن أقتلك فقال له علي ع ولكني أحب أن أقتلك وحين سمع عمرو هذه المقالة هاج به الغضب وأخذه الحماس فاقتحم عن فرسه وعقره ثم أقبل على علي ع فتنازلا وتجاولا فضربه عمرو بسيفه فاتقاه علي بدرقته فاثبت فيها السيف وأصاب رأسه فضربه علي على حبل عاتقه فسقط يخور بدمه عن جابر عبد الله الأنصاري أنه قال كنت قد تبعت علياً لأنظر ما يكون من أمره ولما ضربه علي ثارت غبرة شديدة حالت بيني وبينهما غير أني سمعت تكبيراً فكبر المسلمون عند ذلك فعلمنا أن علياً قد قتله وانجلت الغبرة عنهما فإذا علي على صدره يحز رأسه وفر أصحابه ليعبروا الخندق فطفرت بهم خيلهم إلا نوفل بن عبد الله فإنه قصر به فرسه فوقع في الخندق فرماه المسلمون بالحجارة فقال يا معشر المسلمين قتلة أكرم من هذه فنزل إليه علي فقتله وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في قتل علي ع لعمرو لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن ود يوم الخندق أفضل أعمال أمتي إلى يوم القيامة وفي هذه الغزوة كان حسان بن ثابت الشاعر قابعاً مع النساء والأطفال في حصن بعيداً عن ساحة القتال وكانت صفية بنت عبد المطلب هناك تقول صفية فمر بنا رجل من اليهود وجعل يطوف بالحصن وقريظة قد قطعت ما بينها وبين رسول الله من العهد وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا ورسول الله والمسلمون في مقابل عدوهم وخافت صفيّة أن يكون ذلك الرجل عيناً لقومه بني قريظة يدلهم على ما يوصلهم إلى حصن النساء فقالت لحسان يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطوف حول حصوننا واني والله ما آمنه أن يدل على عوراتنا من رواءنا ورسول الله في شغل عنا بمن أحاط به من المشركين فإنزل إليه واقتله فقال حسان يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب والله إنك لتعلمين أني لستُ بصاحب هذا الأمر قالت صفية فلما سمعت منه ذلك ويئست من خيره شددت وسطي بثوب كان عليَّ وأخذت عموداً ونزلت إليه من الحصن فضربته بالعمود حتى قتلته فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن وقلت له يا حسان إنزل إليه فاسلُبهُ فإنه لا يمنعني من سلبه إلا أنه رجل فقال ما لي بسلبهِ من حاجة يا بنت عبد المطلب واستمر الحصار مضروبا حول المدينة واستمر المؤمنون في ثباتهم وعزمهم مسلِّمين أمرهم إلى الله وإلى رسوله يحدوهم الأمل بالنصر كما وعدهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأنزل الله فيهم قوله ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعَدَنا الله ورسُولُه وصدق الله ورسُولُه وما زادَهم إلا إيماناً وتسليما وبينما النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُفكّر في حلّ لتلك الأزمة وإذا بنعيم بن عامر بن مسعود ينسلُّ من بين الغزاة متوجهاً صوب النبي ليعلمه أنه آمن به وبرسالته دون أن يعرف به قومه قائلاً للنبي مرني بما شئت وكان نعيم هذا مسموع الكلمة في قومه وعلم النبي ذلك فرأى أن أفضل عمل يقوم به هو بث روح التفرقة في جيش المشركين وبذلك يضمن تمزيقه فقال له إنما أنت رجلٌ واحد فخذل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعةٌ فخرج نعيم حتى انتهى إلى بني قريظة وكان لهم نديماً من قبل فقال لهم يا بني قريظة لقد عرفتم ودي لكم وصلتي بكم فقالوا قل ما تريد فلست عندنا بمُتّهَم فقال لهم إن قريشاً وغطفان ليسوا كأنتم البلد بلدكم وفيه أموالكم وأولادكم ونساؤكم ومن الصعب عليكم أن تتحولوا لغيره أما قريش وغطفان فقد جاؤا لحرب محمّدٍ وتركوا نسائهم وأموالهم وأولادهم في بلدهم آمنين فان قُدِّرَ لهم أن يصيبوا محمداً وأصحابه فذاك ما يريدون وإن عجزوا رجعوا إلى بلادهم وخلُّوا بينكم وبينه ولا طاقة لكم به إن خلاَ بكم وأرى لكم أن لا تقاتلوا مع القوم إلا أن تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم يكونوا بأيديكم وعندها يضطرون أن لا يتخلوا عنكم ويرجعوا إلى بلادهم واقتنعت قريظة بهذا الرأي وقالوا أشرت بالصواب وأتى قريشاً فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه قد عرفتم ودّي لكم وفراقي محمداً وقد بلغني أمر رأيتُ عليَّ حقاً أن أُبلغكموه فاكتموه عليّ فقالوا لك ذلك قال بلغني أن معشر يهود قد ندِموا على ما صنعوا بينهم وبين محمد وقد أرسلوا إليه بذلك وعرضوا عليه أن يأخذوا رجالاً منكم ومن غطفان ويسلّموه إياهم ليضرب أعناقهم ثم ينحازوا معه حتى يستأصلوكم فأجابهم هو لذلك فإن بعث إليكم اليهود يلتمسون منكم رهناً من رجالكم فلا تسلموا لهم أحداً وخرج إلى غطفان وقال يا معشر غطفان أنتم أهلي وعشيرتي وأحبُّ الناس إلي ولا أراكم تتهموني في شيء فقالوا أنت لست بمتهم عندنا ثم قال لهم ما قاله لقريش وحذَّرهم من اليهود وغدرهم بهم واستطاع أن يعبىء نفوس قريش وغطفان بالشك والريب في يهود بني قريظة وبذلك مزَّق وحدتهم وارسلت قريش وغطفان عكرمة بن أبي جهل ومعه جماعة إلى بني قريظة قائلين لهم إنا لسنا بدار مقام وقد هلك الخُفُّ والحافر فإستعدوا للقتال حتى نناجز محمداً ونفرغَ مما بيننا وبينه وصادف ذلك يوم السبت فأرسلوا إليهم أن اليوم يوم سبتٍ ونحن لا نعمل فيه شيئاً وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثاً فأصابه ما لم يخفَ عليكم ولسنا نقاتل معكم محمداً حتى تعطونا رهناً يكون بأيدينا لنطمأن بأنكم ستقاتلونه إلى النهاية فأنا نخشى إن ضرّستكُم الحرب واشتد عليكم القتال أن تسرعوا إلى بلادكم وتتركونا وإياه وهو في بلدنا ولا طاقة لنا به وحدنا فرجع عكرمة ومن معه إلى قريش وغطفان وأخبروهما بمقالة القوم فقالوا عند ذلك صَدَق نعيمٌ بما حدثنا به فأرسلوا إليهم أنا لا ندفع إليكم رجلاً واحداً من رجالنا فان كنتم تريدون القتال فاخرجوا لنقاتله غداً وأصرَّ كل من الطرفين على موقفه ورفض اليهود أن يتعاونوا معهم إلا إذا دفعوا لهم الرهائن ولم يغير ذلك في موقف أبي سفيان من محاربة النبي فصمم هو ومن معه أن يناجزوا محمداً في صبيحة يومهم التالي وهنا تدخلت العناية الإلهية لإنقاذ الموقف ففي تلك الليلة عصفت ريحٌ شديدة هوجاء مصحوبة بأمطار وصواعق لا عهد لأحدٍ منهم بها ظلت تشتد حتى اقتلعت خيامهم وكفأت قدورهم ودَاخَلَهُم من الرعب والخوف ما لم يعهدوه في تأريخهم الطويل وخُيّل اليهم أن المسلمين سينتهزون هذه الفرصة للوثبة عليهم والتنكيل بهم فقام طلحة بن خويلد ونادى إن محمداً قد بدأكم بالشر فالنجاة النجاة وقال أبو سفيان يا معشر قريش إنكم والله ما اجتمعتم بدار مقام لقد هلك الكُراعُ والخفُّ وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم ما نكره وقد لقينا من شدة الريح ما ترون فإرتحلوا فاني راحلٌ الساعة وهكذا أسرع القوم بالرحيل تاركين وراءهم اشلاء خيامهم الممزقة وبقايا من أحمالهم وأمتعتهم وهم يتعثرون بأعتاب الرُعب والفشل وما ذلك إلا بفضل دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتأييد الله له . وبضربة علي ع لعمرو وبإشارة سلمان بحفر الخندق وتخذيل نعيم للمشركين يا أيها الذينَ آمنوا إذكُروا نعمةَ الله عليكم إذ جَاءَتكم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيراً كان إسمه روزبة وسماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سلمان وكان اسم أبيه خشفوذان وكان هذا الأخير من دهاقين فارس وقيل من أساورتها له إمرة على بعض الفلاحين من أبناء أصفهان وكان واسع الحال يملك بعض المزارع شأن غيره من الطبقة الوسطى في المجتمع الفارسي آنذاك وكانت لولده سلمان مكانة خاصة في نفسه جعلته يستأثر بالنصيب الأكبر من إهتماماته فهو لا يكلفه بأي عمل شاق شأنه في ذلك شأن بقية المترفين في معاملة أبنائهم وفي ذات يوم كان خشفوذان مشغولاً ببناءٍ في داره فطلب من ولده أن يذهب إلى مزرعةٍ له ليشرف على سير عمل الفلاحين فيها عن كثب وطلب منه أن لا يتأخر في العودة إليه قائلاً له ولا تحتبس فتشغلني عن كل ضيعةٍ بهمي بك يقول سلمان فخرجت لذلك فمررت بكنيسة النصارى وهم يصلون فملت إليهم وأعجبني أمرهم وقلت والله هذا خير من ديننا فأقمت عندهم حتى غابت الشمس لا أنا أتيت الضيعة ولا رجعت إليه لوحة رائعة يرسمها لنا سلمان وهو يسرد قصة إسلامه حيث يجسد لنا فيها كيف كانت بداية هجرته نحو الإيمان الإيمان بالله وحده بعزم وتصميم وإرادة قوية لا يقف دونها حاجز ولا تتحكم فيها عاطفة وكيف إختار لنفسه موقفاً مميزاً جعله فيما بعد من جملة عظماء البشر الذين يزين بهم التاريخ الإنساني صفحاته فكان بذلك سابق فارس ورائدها وداعيها إلى الله لقد كانت نفسه التواقة إلى المعرفة تدفعه نحو تخطي الحواجز التي عاش بين قضبانها في ظل أبٍ جمد عقله على طقوس المجوسية دون أن تحرك آيات المبدع سبحانه في نفسه أي تحولٍ نحو الأفضل أراد سلمان تخطي تلك الحواجز لكي يرى الحقائق الكامنة ورائها وكان له ما أراد فها هو يعثر على دين خير من دينه حيث ساقته قدماه عن قصد أو غير قصد إلى الكنيسة فرأى فيها أناساً يصلون وربما يرتلون فصلاً من الإنجيل بصوت رخيم يأخذ بمجامع القلوب فيه رجع وصدىً لترانيم الراهب الحزين الذي يبكي المسيح ولا بد أن فقرات من الإنجيل شدته في تلك اللحظات الغامرة إلى الاستغراق والتأمل في عالم اللاهوت ضمن أجواء هي مزيج من الحزن والفرح والسأم واللذة طافت به ما وراء الغيب ثم انتهت لتوقظ في نفسه مكامن الألم الطويل الذي عاناه في ظل أبيه دارت في رأس سلمان زوبعة من التفكير انها فرصة قيضتها له يد الغيب وما عليه الآن إلا أن يختار نعم لقد أعجبه هذا الدين ولكن هل ينتهي به المطاف إلى هنا فتكون هذه الكنيسة هي المحطة الأولى والإخيرة في حياته ومن يدري فلعل يد التشويه قد امتدت إليها أو إلى ذلك الكتاب الذي يتلى فيها فأخرجتهما عن مسارهما الصحيح وعندها فما الفائدة إذن أيترك دين آبائه وأجداده ليعتنق ديناً ربما كان مثله في المحتوى أو أميز منه بقليل لم يطل تردده في الأمر وحانت منه التفاتة ذكية تنم عن عمق روحي وأصالةٍ في التفكير حيث بدا له أن يسأل عن تواجد أصل هذا الدين وبذلك يحفظ خطوط الرجعة على نفسه فاندفع يسأل من حوله من النصارى قائلاً لهم وأين أصل هذا الدين قالوا بالشام أما خشفوذان فقد طال عليه غياب ولده حتى صار نهباً للقلق عليه مما حدا به أن يرسل جماعةً في طلبه وبينما هو يتلدد في داره مفكراً حائراً في أمره وإذا بسلمان عائد بعد الغروب بقليل عاد إلى بيته ليجد أباه بتلك الحالة وهنا بادره أبوه بنبرةٍ فيها شيء من الغضب قائلاً له لقد بعثت إليك رسلاً أين كنت ولم يجد سلمان سبيلاً لكتمان ما رأى وسمع فالتفت إلى أبيه قائلاً قد مررت بقوم يصلون في كنيسة فأعجبني ما رأيت من أمرهم وعلمت أن دينهم خير من ديننا قال هذا بكل جراءةٍ وثقة غير أن خشفوذان لم يصدق ما سمعه وخالطته حيرة ودهشة لكنه تمالك أعصابه وخاطب ولده باسلوب عاطفي هادئ قائلاً له يا بني دينك ودين آبائك خير من دينهم طمعاً فيه بأن يرجع عن ذلك لكن سلمان بادره بكل إصرار قائلاً كلا والله وحين لم يجد خشفوذان وسيلةً في اقناع ولده عمد إلى استخدام القسوة لتأديبه فوضع القيود في رجليه وتركه في البيت رهين محبسين فعل معه ذلك خوفاً من أن يهرب عنه وعقاباً له كي لا يعود لمثلها وظل سلمان رهين قيده وبيته مدةً من الزمن حتى كادت الدنيا أن تسود في عينيه لولا حلم الشام الذي ظل يدغدغ فؤاده ويزرع في نفسه الأمل الأخضر الذي يبشره بأزوف الموعد وساعة الخلاص فعمد إلى بعض من يثق بهم وأرسله إلى النصارى الذين تعرف إليهم في الكنيسة يعلمهم عن لسانه بأنه قد أعجبه دينهم ويطلب منهم أن يعلموه بتحرك أول قافلةٍ نحو الشام حتى يكون فيها فأخبروه قال سلمان فألقيت الحديد من رجلي وخرجت معهم وبدأت الرحلة الطويلة نحو الإيمان والهجرة إلى الله بدأ سلمان هجرته هذه مصوباً كل تفكيره نحو الشام ولكن ما أن استوى على راحلته حتى بدأت الشكوك تساوره وأخذ القلق يسيطر عليه فقد خاف أن ينكشف أمره لدى أبيه فيرسل في طلبه جماعة من علوج أصفهان يرجعونه إليه بالقوة فيعيده إلى محبسيه وربما لا يكتفي بذلك بل يقيم عليه الرقباء والعيون يحصون عليه أنفاسه وعندها سيخسر سلمان كل شيء وسيكون الفشل نصيب أولى تجاربه في الحياة ظلت هذه الوساوس تساوره في بداية الرحلة حتى إذا قطع شوطاً من الطريق أمِنَ معه الطلب هدأت نفسه وارتاح ضميره وعاد الفرح إلى قلبه فمال بتفكيره ثانيةً نحو الشام ولكن سرعان ما هومت فوق صدره سحابة من الحزن لفراق أبويه الكهلين الذين دأبا على اسعاده وحرصا على أن يبقى بجانبهما يؤنس وحشتهما كلما تقدمت بهما السن لقد تركهما أسيرين للهم والحزن عليه وكاد الأسى أن يعصف بقلبه لولا أن تذكر عناد أبيه ووقوفه سداً في طريق سعادته فتابع سيره وصمم أن لا يلتفت أما خشفوذان وزوجه فقد باتا أياماً وليالي لا يغمض لهما جفن ولا ترقأ لهما دمعة لغياب سلمان المدلل ففراقه أقض مضجعهما فهما لا يعلمان أين أمسى وأين أصبح ولم يتركا استحفاء السؤال عنه في كل مكان لقد انقطعت أخباره أين هو ياترى وربما تناهى إلى سمع خشفوذان أن ابنه رحل إلى الشام فزاد ذلك في همه وحزنه فأين الشام وأين فارس ومئات الأميال تفصل بينهما ويطرق الأب الحزين برأسه إلى الأرض ويستسلم مع زوجته للقدر وربما توسلا إلى النار التي يقدسانها أن ترجع إليهما ولدهما الهارب ولكن دون جدوى وهكذا ظل يندب حظه التعيس أما سلمان فظل يتابع سيره حتى إذا بانت له مشارف الشام حرك لسانه بآيات الشكر لله سبحانه الذي أنقذه من النار وتفاهاتها وحماقات أهلها لينعم بين ظلال الرحمة في مهد الأنبياء وأرض الرسالات في الشام التي هي صفوة الله من بلاده وإليها يجتبي صفوته من عباده على حد تعبير النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعد قليل من الزمن حط الركب الفارسي رحاله ليستريح من وعثاء السفر المضني الطويل ولينصرف بعد ذلك كل منهم إلى شؤونه عدا سلمان الذي لم يستقر به مكانه بعد فهو لم يصل إلى ما يريد إنه يطلب العالم الذي يعطيه أصول النصرانية التي جاء بها عيسى عليه السلام عن الله سبحانه وتعالى فاندفع يسأل هذا وذاك من أهل الشام عن رجل الدين الذي يولونه ثقتهم ويأخذون عنه معالم دينهم فأرشدوه إلى الأسقف فسألهم عن مكان إقامته قالوا هو مقيم في صومعته على رأس جبل ودلوه عليه كانت الصومعة في قمة جبل يشرف على الشام وقد استدارت حولها غابة من السنديان والصنوبر يخيل للناظر إليها من بعيد أنها جزيرة صغيرة وسط بحيرة خضراء قصد سلمان تلك الصومعة والفرح يغمر قلبه فلما وصل إليها تكلم بكلمات تركت الأسقف ينفتل من عبادته لينظر من هو المتكلم وكان الأسقف شيخاً طاعناً في السن مربوع القامة في ظهره جنأ كث اللحية أبيضها ذو عينين غارقتين تهدل فوقهما حاجبان انعقفا حتى اتصلا بصدغيه ترتسم على وجهه سيماء الصالحين تطلع سلمان إليه فأدرك فيه ملامح من سيرة المسيح ع فانتابته حالة من الذهول أطرق معها إلى الأرض إلا أن كلمات الأسقف هزته حيث اندفع نحوه متسائلاً من أنت وماذا تريد فرفع رأسه وقال أنا رجل من أهل جي جئت أطلب العمل وأتعلم العلم فضمني إليك أخدمك وأصحبك وتعلمني شيئاً مما علمك الله قال الأسقف نعم إصعد إلي صعد سلمان إليه ليبقى إلى جانبه يخدمه ويتعلم منه وكان الغالب في مأكله الخل والزيت والحبوب جرايةً تجري له يقول سلمان فأجرى علي مثل ما كان يجرى عليه وبدأ الأسقف يعلمه شريعة الله التي أنزلها على المسيح ويقرأ عليه صحائف من الإنجيل كان قد احتفظ بها ويطلعه على بعض الأسرار الإلهية التي تناهت إليه من حواريي عيسى عليه السلام وقد وجد في سلمان الرجل القوي الأمين الذي يمكن أن يدفع إليه أمانته ووجد سلمان فيه الأب المشفق والعالم الروحاني الذي يوقفه على غامض العلم ويطلعه على شرائع الأنبياء ومرت الأيام تتوالى مسرعةً وانطوت سنين عديدة كان الأسقف خلالها يتقدم نحو أرذل العمر وفي ذات يوم اشتكى علةً في جسده سرعان ما ألزمته سريره وأدرك سلمان أنها الشيخوخة التي لا ينفع معها دواء فظل دائباً في خدمته والعناية به ليله ونهاره حتى إذا قوضت أيامه ودارت في صدره حشرجات الموت علم سلمان أن صاحبه يحتضر وأنه مفارق هذه الدنيا عن قريب فجلس عند رأسه يبكي وكان تعلق الأسقف به شديداً لما لمسه فيه من الخصال الحميدة النادرة فكان يؤلمه أن يراه حزيناً أو مفكراً في أمرٍ يشغل باله وحانت منه إلتفاتة خاطفة فرأى سلمان يكفكف دموعه وآلمه ما رأى فالتفت إليه قائلاً ما يبكيك يا ولدي قال سلمان وهو يردُّ غصَّته خرجت من بلادي أطلب الخير فرزقني الله صحبتك فنزل بك الموت ولا أدرى أين أذهب فقال الأسقف وهو يعاني سكرات الموت يا بني لقد ترك الناس دينهم ولا أعلم أحداً يقول بمقالتي إلا راهباً في إنطاكية فإذا لقيته فاقرأه مني السلام وادفع إليه هذا اللوح وناولني لوحاً ثم مات الأسقف ولم يكشف لنا سلمان شيئاً عن سر ذلك اللوح لكن من المعتقد أنه أثر كريم بقي من المسيح عليه السلام تركه للحواريين يتداولونه فيما بينهم ثم يسلمونه إلى ذوي الكفاءة من أوصيائهم يقول سلمان فلما مات غسلته وكفنته ودفنته وأخذت اللوح وسرت به إلى انطاكية وهي بلدة قريبة من حلب بعيدة عن الشام موصوفة بالحسن وطيب الهواء وعذوبة الماء لها سور ضخم وشكلها كنصف دائرة قطرها يتصل بجبل والسور يصعد مع الجبل إلى قمته فتتم دائرةً وفي السور داخل الجبل قلعة في وسطها بيعة القسيان وهي هيكل طوله مائة خطوة وعرضه ثمانون وعليه كنيسة على آساطين وحول الهيكل أروقة يجلس عليها القضاة والعلماء وهناك من الكنائس ما لا يجد كلها معمولة بالذهب والفضة والزجاج الملون والبلاط المجزع ومضى سلمان يغد السير حتى وصل إليها وكان قد عرف مواصفات الراهب واسمه فلما وصل إلى الهيكل سأل عنه فدلوه عليه وكان في إحدى الكنائس فلما وصل إليها تكلم بكلمات فأطل عليه الراهب يسأله من هو وماذا يريد ونظر إليه سلمان فرأى فيه سمات التقى والصلاح والزهادة في الدنيا والرغبة عنها إلى الآخرة فارتاحت لذلك نفسه وعلم أن صاحبه الراحل لم يفرط فيه بل أوصى به إلى يدٍ أمينة ورد سلمان على أسئلة الراهب ثم أبلغه سلام الأسقف الراحل وسلمه الأمانة أخذ الراهب اللوح من يد سلمان بلهفة وزاد في الترحيب به وأنزله معه وظل سلمان في خدمته مدةً طويلة يأخذ عنه معالم الدين حتى إذا مرت سنين مرض الراهب مرض الموت ولزم الفراش وسلمان إلى جانبه وأحس الراهب أنه مفارق هذه الدنيا فالتفت إلى سلمان قائلاً إني ميت وصكت هذه الكلمة مسامع سلمان وأخذت من نفسه مأخذاً حيث خاف الضياع من بعده فقال له بنبرة فيها شيء من الحزن فعلى من تخلفني قال الراهب لا أعرف أحداً على طريقتي إلا راهباً بالاسكندرية فإذا أتيته فاقرأه عني السلام وادفع إليه هذا اللوح
|
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
| انواع عرض الموضوع | |
|