بسم الله الرحمن الرحيم
فإن الله تبارك وتعالى أمر بفضائل الأخلاق , ومحاسن الأداب , ورغب فيها , ووعد من اتصف بها بالأجر
الجزيل , والثواب الكبير .
وإن مما تنال به الدرجات , وتدفع به الشرور والسيئات : العفو والإحسان إلى الناس .
فقد تواترت الأحاديث النبوية , وورد في الآيات القرآنية مايرغب في العفو ويحث عليه .
ولعلي أتطرق إلى ذكر بعضها ، ليحصل المقصود ، وتعم الفائدة , فقد قيل : خير الكلام ماقل ودل .
يقول الله جل وعلا في وصف المتقين في سورة آل عمران آية 134 : (( والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ))
يقول الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية : {{ أي : إذا ثار بهم الغيظ كظموه بمعنى كتموه فلم يعملوه
وعفوا مع ذلك عمن أساء إليهم .
قال الإمام أحمد رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أنظر معسراً
أو وضع له وقاه الله من فيح جهنم , ألا إن عمل الجنة حزن بربوة ثلاثاً , ألا إن عمل النار سهل بسهوة , والسعيد من
وقي الفتن , ومامن جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد ماكظمها عبد إلا ملأ جوفه إيماناً }} انفرد به
أحمد ,إسناده حسن ليس فيه مجروح ومتنه حسن .
فقوله : والكاظمين الغيظ : أي لايعملون غضبهم في الناس بل يكفون عنهم شرهم ويحتسبون ذلك عند الله . ثم قال
والعافين عن الناس : أي مع كف الشر يعفون عمن ظلمهم في أنفسهم فلا يبقى في أنفسهم موجدة على أحد وهذا أكمل
الأحوال ولهذا قال: والله يحب المحسنين : فهذا من مقامات الإحسان وفي الحديث : {{ ثلاث أقسم عليهن وذكر منها
ومازاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً ... }}
وعن أبي بن كعب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : {{ من سره أن يشرف له البنيان , وترفع له
الدرجات , فليعف عمن ظلمه , ويعط من حرمه , ويصل من قطعه }}صحيح على شرط الشيخين
أ.هـ من كلام ابن كثير رحمه الله .
وقال الإمام : عبدالرحمن السعدي في تفسير آية : (( خذ العفو )) قال : هذه الآية جامعة لحسن الخلق مع الناس وما
ينبغي في معاملتهم فالذي ينبغي أن يعامل به الناس أن يأخذ العفو أي ماسمحت به أنفسهم وما سهل عليهم من الأعمال
والأخلاق ... إلى أن قال : ويتجاوز عن تقصيرهم , ويغض طرفه عن نقصهم , ولا يتكبر على الصغير لصغره , ولا
ناقص عقل لنقصه , ولا الفقير لفقره , بل يعامل الجميع باللطف والمقابلة بما تقتضيه الحال وتنشرح له صدورهم
. أ. هـ
ومن الآيات كذلك قوله تعالى في سورة فصلت : (( و لا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك
وبينه عداوة كأنه ولي حميم ))
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ماعقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه .
وسنته عليه الصلاة والسلام دليل واضح وبرهان قاطع على تحليه عليه الصلاة والسلام بهذه الخصلة الرفيعة والخلق
السامي ويكفي من ذلك مافعله عليه الصلاة والسلام بكفار مكة حينما منّ الله عليه بفتحها قال : يامعشر قريش ماترون
أني فاعل بكم ؟
قالوا : خيراً أخ كريم وابن أخ كريم .
قال : فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته : {{ لاتثريب عليكم اليوم }} اذهبوا فأنتم الطلقاء .
بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه ما أعظمه من خلق , وأجمله من عفو وصفح .
ولاننس كذلك قصة يوسف مع أخوته حينما اعترفوا له بخطأهم قال لهم : {{ لا تثريب عليكم اليوم }}
لله دره ما أطيبه وما أعلى خلقه .
نعم إن النفوس إذا عرفت خالقها وتمسكت بهدي نبيها صلوات الله وسلامه عليه فإنها ترتقي وترتفع عن الدنايا وتسمو
عن صغائر الأمور .
كتب أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي رضي الله عنهما : سلامٌ عليك أمابعد : فإن الله رزقني بعدك مالاً وولداً ونزلت
الأرض المقدسة .
فكتب إليه سلمان : اعلم أن الخير ليس بكثرة المال والولد ولكنّ الخير أن يعظم حلمك وأن ينفعك علمك ...)) إلخ
لكن هناك نقطة مهمة وهي كما قال شيخ الإسلام رحمه الله وغيره من أهل العلم : أن العفو في بعض الأحيان يكون
مرتبط بحال الجاني فإن كان في العفو صلاح لحال الجاني فهو أفضل . وإن كان فيه مضرة للجاني كأن يكون سبباً في
زيادة شره وعدم ارتداعه فإن الأخذ على يده أولى .
وحكى الإمام ابن كثير عن الإمام ابن جرير الطبري رحمهما الله قوله : ((وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن
يأمر عباده بالمعروف ويدخل في ذلك جميع الطاعات وبالإعراض عن الجاهلين وذلك وإن كان آمراً لنبيه صلى الله
عليه وسلم فإنه تأديب لخلقه باحتمال من ظلمهم واعتدى عليهم لا بالإعراض عمن جهل الحق الواجب من حق الله ولا
بالصفح عمن كفر بالله وجهل وحدانيته وهو للمسلمين حرب ))
أحبتي : إن الموضوع ذو شجون , وماسبق ذكره إنما هو غيض من فيض , وقطرة من بحر , وإلا النصوص في ذلك
كثيرة , والقصص عديدة لا يمكن حصرها , ولعل ماتقدم ذكره فيه الخير والبركة .
جعلني الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه , وممن يعملون بهدي النبي صلى الله عليه وسلم , والله أعلم
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .