هذه الرسالة تفيد بأنك غير مشترك أو لم تسجل دخولك بعد. للاشتراك الرجاء اضغط هنــا

+::: التسجيل :::+ +::: المكتب :::+ +::: المفكرة :::+

+::: البحث :::+ +::: اتصل بنا :::+ +::: الخروج :::+


العودة   منتديات صقر البحرين > ©؛°¨°؛©][المنتديات العامة][©؛°¨°؛© > المنتدى الإسلامي

المنتدى الإسلامي مكتبة أسلامية لطرح القضايا والمسائل الدينية ويضم هذا المنتدى قسم الصوتيات والمرئيات الأسلامية...


فعاليات وفاة الزهراء (ع) المجال مفتوح لمشاركاتكم

المنتدى الإسلامي


إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 12-05-2008, 11:52 PM   #11 (permalink)
عضو مشارك

الصورة الرمزية ابن الساري


بيانات ابن الساري
رقم العضوية 91337
تاريخ التسجيل Jan 2008
المشاركات 193
بمعدل 0.62 مشاركة في اليوم
الهواية  
الجنس
الحالة ابن الساري غير متصل
المزاج اليوم
علم الدولة علم الدولة Bahrain
عدد النقاط 50
بدأت الانترنت عام 2000 او قبل
افتراضي رد: فعاليات وفاة الزهراء (ع) المجال مفتوح لمشاركاتكم

 

 

يتبع

وقد حقّق جملة من الباحثين في الموضوع ، وخلصوا إلى القول بأن زوجتي عثمان هما بنتا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتبنّي ، وليس من صُلبه الشريف (1) ، وعلى هذا يسقط الاعتراض من الأساس .

الاستئذان والمشاورة :
ودرس آخر نتعلّمه من زواج الزهراء عليها السلام هو الاستئذان من الفتاة البكر ومشاورتها واستئمارها لكسب رضاها قبل الزواج ، وهو من الحقوق المهمة التي أولاها الإسلام للمرأة إظهاراً لكرامتها ، وعلى الرغم من أن زواج الزهراء عليها السلام كان بأمر الله تعالى ، فقد عمل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سنة وتأديباً للاُمّة .
روى الشيخ الطوسي بالاسناد عن الضحاك بن مزاحم قال : سمعت علي ابن أبي طالب يقول : « أتاني أبو بكر وعمر فقالا : لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت له فاطمة . قال : فأتيته ، فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضحك ثم قال : ما جاء بك يا أبا الحسن ، وما حاجتك؟ قال : فذكرت له قرابتي وقدمي في الإسلام ونصرتي له وجهادي فقال : يا علي ، صدقت ، فأنت أفضل مما تذكر . فقلت : يا رسول الله ، فاطمة تزوجنيها؟ فقال : يا علي ، إنّه قد ذكرها قبلك رجال ، فذكرت ذلك لها ، فرأيت الكراهة في وجهها ، ولكن على رسلك حتى أخرج إليك فدخل إليها ... فقال لها : يا فاطمة . فقالت : لبيك لبيك ، حاجتك يارسول الله؟ قال : إنّ علي بن أبي طالب من قد عرفت قرابته وفضله وإسلامه ، وإني سألت ربي أن يزوجك خير خلقه وأحبّهم إليه ، وقد ذكر من أمرك شيئاً فما ترين؟ فسكتت ولم تولّ وجهها ، ولم ير فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كراهة ، فقام وهو يقول : الله أكبر ، سكوتها إقرارها ، فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال : يا محمد ،
____________
1) راجع كتاب بنات النبي صلى الله عليه وآله وسلم | السيد جعفر مرتضى العاملي .

( 51 )

زوّجها علي بن أبي طالب ، فإنّ الله قد رضيها له ورضيه لها » (1) .
وعن عطاء بن أبي رباح ، قال : لمّا خطب علي فاطمة عليهما السلام أتاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : « إنّ عليّاً قد ذكرك » فسكتت ، فخرج فزوجها (2) .
وهذا لا يعارض ما تقدم من إيكال أمر زواجها بيد الله تعالى بداهةً ، ما دام علم الله وقضاؤه وقدره قد أحاط بالاشياء قبل إيجادها .

خطبة العقد :
وهي من السنن المستفادة من زواج الزهراء عليها السلام فقد روى ابن شهرآشوب عن ابن مردويه ، قال : إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي عليه السلام : « تكلم خطيباً لنفسك » فقال : « الحمدُ لله الذي قرب من حامديه ، ودنا من سائليه ، ووعد الجنة من يتقيه ، وأنذر بالنار من يعصيه ، نحمده على قديم إحسانه وأياديه ، حمد من يعلم أنه خالقه وباريه ، ومميته ومحييه ، ومسائله عن مساويه ، ونستعينه ونستهديه ، ونؤمن به ونستكفيه ، ونشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، شهادة تبلغه وترضيه ، وأن محمداً عبده ورسوله ، الى أن قال : وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زوجني ابنته فاطمة على خمسمائة درهم وقد رضيت ، فاسألوه واشهدوا » .
فقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : « وقد زوجتك ابنتي فاطمة على ما زوجك الرحمن ، وقد رضيت بما رضي الله لها ، فدونك أهلك فانك أحقّ بها مني » .
وفي خبر : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « فنعم الأخ أنت ، ونعم الختن أنت ، ونعم الصاحب أنت ، وكفاك برضا الله رضاً »فخرّ علي عليه السلام ساجداً شكراً لله تعالى
____________
1) أمالي الطوسي : 39 | 44 . وبحار الأنوار 43 : 93 | 4 .
2) كشف الغمة | الاربلي 1 : 365 . والثغور الباسمة | السيوطي : 31 . وذخائر العقبى : 29 و33 . والطبقات الكبرى | ابن سعد 8 : 20 . وتذكرة الخواص : 308 .

( 52 )

وهو يقول : ( ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وان أعمل صالحاً ترضاه واصلح لي في ذريتي ) (1) . فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « آمين » فلمّا رفع رأسه قال صلى الله عليه وآله وسلم : « بارك الله عليكما ، وبارك فيكما ، وأسعد جدكما ، وجمع بينكما ، وأخرج منكما الكثير الطيب » ثم أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بطبق بُسرٍ وأمر بنهبه ، ودخل حجرة النساء ، وأمر بضرب الدف (2) .
وفي حديث علي عليه السلام وأُمّ سلمة وسلمان (رضي الله عنهما) قالوا : فقال المسلمون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : زوجته يا رسول الله؟ فقال : « نعم » فقالوا : بارك الله لهما وعليهما ، وجمع شملهما ، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أزواجه ، فأمرهن أن يدففن لفاطمة عليها السلام ، فضربن بالدفوف (3) .

المهر :
كان مهر الزهراء عليها السلام خمسمائة درهم ، وهو الذي جرت به السُنّة ، وقد تقدّم ذكر ذلك في خطبة أمير المؤمنين عليه السلام المتقدمة ، وقيل : أربعمائة مثقال فضة ، وهو المروي عن أنس بن مالك ، في خطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين العقد ، قال أنس : كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فغشيه الوحي ، فلما أفاق قال لي : « ياأنس ، أتدري ما جاءني به جبرئيل من عند صاحب العرش؟ » قال : قلت : الله ورسوله أعلم . قال : « أمرني أن أزوّج فاطمة من علي ، فانطلق فادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وعليّاً وطلحة والزبير ، وبعددهم من الأنصار » .
قال : فانطلقت فدعوتهم له ، فلمّا أن أخذوا مجالسهم قال رسول

____________
1) سورة النمل : 27 | 19 .
2) مناقب ابن شهر آشوب 3 : 351 . وبحار الأنوار 43 : 111 .
3) كشف الغمة | الاربلي 1 : 358 .

( 53 )

الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأورد خطبته ـ إلى أن قال صلى الله عليه وآله وسلم : « ثم إني أُشهدكم أني قد زوجت فاطمة من علي على أربعمائة مثقال فضة ، إن رضي بذلك عليّ » وكان علي عليه السلام غائباً ، قد بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حاجة ، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بطبق فيه بُسر فوضع بين أيدينا ، ثم قال : « انتهبوا » فبينا نحن كذلك ، إذ أقبل علي عليه السلام فتبسم إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال : « يا علي ، إنّ الله أمرني أن أزوجك فاطمة ، وقد زوجتكها على أربعمائة مثقال فضة ، أرضيت؟ » . قال : « رضيت يا رسول الله » ثم قام علي عليه السلام فخرّ لله ساجداً ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « جعل الله فيكما الخير الكثير الطيب ، وبارك فيكما » .
قال أنس : والله لقد أخرج منهما الكثير الطيب (1) .
والمشهور في مقدار المهر هو الأول ، وقال ابن شهرآشوب : وهو الأصح (2) ، ولعلّ الأربعمائة مثقال فضة كانت تعادل خمسمائة درهم في عصرهم ، وقد ورد في جملةٍ من الروايات أن أمير المؤمنين عليه السلام قد باع درعه بأربعمائة وثمانين درهماً وكانت هي مهر الزهراء عليها السلام .
روي عن الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام ـ في حديث تزويج فاطمة عليها السلام ـ قال : « ثم إنّ عليّاً اغتسل ولبس كساءً قطرياً وصلّى ركعتين ، ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال : يا رسول الله زوّجني فاطمة . قال : إذا زوجتكها فما تصدقها؟ قال : أصدقها سيفي وفرسي ودرعي وناضحي ، قال : أما ناضحك وسيفك وفرسك فلا غنى بك عنها ، تقاتل المشركين ، وأما درعك فشأنك بها .
فانطلق علي عليه السلام وباع درعه بأربعمائة وثمانين درهماً قطرية ، فصبّها بين
____________
1) كشف الغمة | الاربلي 1 : 349 . وذخائر العقبى : 30 . والرياض النضرة 3 : 145 . وكفاية الطالب | الكنجي : 302 الطبعة الثالثة ـ طهران .
2) المناقب 3 : 351 .


( 54 )

يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يسأله عن عددها ، ولا هو أخبره عنها . . . » (1) .
وعن الحسين بن علي عليهما السلام قال : « زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليّاً على أربعمائة وثمانين درهماً » (2) .
وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال : « كان صداق فاطمة عليها السلام جرد برد حبرة ودرع حطمية ، وكان فراشها إهاب كبش » (3) .
قيل : إنّ الاربعمائة وثمانين درهماً ، كانت ثمن الدرع لاتمام المهر ، كما يدل عليه بعض الأخبار ، وان الدرع والبرد لم يكونا مهراً ، بل بيعا ، لذلك فثمن الدرع أربعمائة وثمانون ، وثمن البرد عشرون ، والله أعلم (4) .

درس توجيهي :
لقد كانت عادة الأشراف من قريش إذا تزوج أحدهم أن يبذلوا المهور العالية ، وأن يكون الزواج مفعماً بمظاهر التكلف والاسراف ، وفي زواج الزهراء عليها السلام قدّم النبي صلى الله عليه وآله وسلم درساً عملياً للزواج النموذجي في الإسلام مغيراً معايير الجاهلية غير عابىء بلائمة قريش وعذلهم .
عن جابر بن عبدالله قال : لمّا زوّج النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً من فاطمة عليها السلام أتت قريش فقالوا : يا رسول الله ، زوجت فاطمة بمهر خسيس ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم :
____________
1) كشف الغمة | الاربلي 1 : 368 . وكفاية الطالب : 302 . ونحوه عن أنس بن مالك . ورواه الطبراني في المعجم الكبير 22 : 409 | 1021 . وابن المغازلي في المناقب : 347 | 399 . والمحب الطبري في الرياض النضرة 3 : 142 . وابن حجر الهيثمي في المجمع 9 : 205 وغيرهم . ونحوه عن ابن عباس . ورواه البيهقي في السنن 7 : 234 . وأحمد في المسند 1 : 80 . والمناوي في إتحاف السائل : 35 و 46 .
2) المناقب | ابن شهر آشوب 3 : 351 .
3) الكافي 5 : 377 | 5 . ونحوه عن الإمام الصادق عليه السلام في الكافي 5 : 377 | 1 .
4) المجالس السنية | السيد محسن الأمين 5 : 77 .


( 55 )

« ما زوجت فاطمة من علي ، ولكن الله زوجها » (1) فليس هو إلاّ حكم الله ، وقد شاء تحكمته أن تكون مهور النساء متواضعة ، وأجرى ذلك على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال : « أفضل نساء أُمتي أصبحهن وجهاً وأقلهنّ مهراً » (2) .
وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال : « خلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بابنته في صبيحة اليوم الرابع ، وقال لها : كيف أنت يا بنية ، وكيف رأيت زوجك؟ فقالت له : يا أبه ، خير زوج ، إلاّ أنه دخل عليَّ نساء من قريش ، وقلن لي : زوجك رسول الله من فقير لا مال له ، فقال لها صلى الله عليه وآله وسلم : يا بنية ، ما ألوتك نصحاً أن زوجتك أقدمهم سلماً ، وأكثرهم علماً ، وأعظمهم حلماً . يا بنية ، إنّ الله عزَّ وجلَّ اطلع إلى الأرض إطلاعة فاختار منها رجلين ، فجعل أحدهما أباك والآخر بعلك . يا بنية ، نعم الزوج زوجك لا تعصي له أمراً . ثم صاح بي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا علي ، فقلت : لبيك يا رسول الله . فقال : ادخل بيتك والطف بزوجتك وارفق بها ، فان فاطمة بضعة مني ، يؤلمني ما يؤلمها ، ويسرني ما يسرها ، استودعكما الله واستخلفه عليكما » (3) .
وعن الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه : « إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمّا زوج فاطمة عليها السلام ، دخل النساء عليها ، فقلن : يا بنت رسول الله ، خطبك فلان وفلان ، فردّهم عنك ، وزوّجك فقيراً لا مال له ، فلمّا دخل عليها أبوها صلى الله عليه وآله وسلم رأى ذلك في وجهها ، فسألها فذكرت له ذلك ، فقال : يا فاطمة ، إنّ الله أمرني فانكحتك أقدمهم سلماً ، وأكثرهم علماً ، وأعظمهم حلماً ، وما زوجتك إلاّ بأمرٍ من
____________
1) المناقب | ابن المغازلي : 343 | 395 . وأمالي الطوسي : 266 | 464 . والفقيه 3 : 253 | 1202 .
2) الكافي 5 : 324 | 4 .
3) كشف الغمة | الاربلي 1 : 363 .

( 56 )

السماء ، أما علمت أنه أخي في الدنيا والآخرة » (1) .
وعن ابن عباس ، قال : لما زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً عليه السلام من فاطمة عليها السلام تحدثت نساء قريش وغيرهن وعيّرنها وقلن : زوجك رسول الله من عائل لامال له ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « يا فاطمة ، أما ترضين إنّ الله تبارك وتعالى اطلع اطلاعة إلى الأرض ، فاختار منها رجلين : أحدهما أبوك ، والآخر بعلك » (2) .
فمعيار التفاضل لابدّ أن يكون قائماً على أساس التقوى والدين والخلق القويم ، لا على أساس الثروة والمال والحطام الزائل ، وعلى الرغم من تواضع مهر الزهراء عليها السلام وبساطة المراسيم فقد وصف عرسها : بأنّه أحسن عرس وأطيبه .
عن جابر ، قال : حضرنا عرس علي وفاطمة عليهما السلام فما رأينا عرساً كان أطيب منه ، حشونا الفراش الليف ، وأُوتينا بتمرٍ وزبيب فأكلنا ، وكان فراشها ليلة عرسها إهاب كبش (3) .
وروى ابن ماجة عن عائشة وأُمّ سلمة ، قالتا : ما رأينا عرساً أحسن من عرس فاطمة (4) .
ففي مهر الزهراء عليها السلام درس توجيهي لنا ، فقد زوّج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحب الخلق إليه بمهر متواضع كي يفهّم الاُمّة عمليّاً أن المهور العالية ليست في صالحها لما تسببه من تعكير لصفو المحبة والعلاقة بين الزوجين وزلزلة
____________
1) شرح ابن أبي الحديد 13 : 227 .
2) اليقين | السيد ابن طاووس : 158 ـ النجف الأشرف . وبحار الأنوار 40 : 18 | 36 .
3) مجمع الزوائد 9 : 209 . والثغور الباسمة : 33 . واتحاف السائل : 42 . وذخائر العقبى : 34 . والرياض النضرة 3 : 144 .
4) سنن ابن ماجة 1 : 616 | 1911 كتاب النكاح ، باب الوليمة ، دار الفكر ـ بيروت .


( 57 )

الوضع الاقتصادي للعائلة ، فضلاً عن أنها تؤدي إلى عزوف الشباب عن الزواج وما يعقبه من مفاسد اجتماعية وأمراض روحية .

الجهاز وأثاث البيت :
إنّ جهاز الزهراء عليها السلام وأثاث بيتها يعكس مظاهر الزهد والتواضع وسمو المبادىء وعظمة القيم الإسلامية العليا على مظاهر البذخ والترف الزائلة .
روى الشيخ الطوسي مسنداً عن الإمام الصادق عليه السلام قال : « إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبض من ثمن الدرع قبضةً ودعا بلالاً فأعطاه ، وقال : ابتع لفاطمة طيباً ، ثم قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الدراهم بكلتا يديه فأعطاه أبا بكر ، وقال : ابتع لفاطمة ما يصلحها من ثياب وأثاث البيت وأردفه بعمار بن ياسر وبعدّة من أصحابه وحضروا السوق . . .
فكان مما اشتروه : قميص بسبعة دراهم ، وخمار بأربعة دراهم ، قطيفة سوداء خيبرية ، وسرير مزمّل بشريط ، وفراشين من خيش مصر حشو أحدهما ليف ، وحشو الآخر من جزّ الغنم ، وأربع مرافق من أدم الطائف حشوها إذخر ، وستر من صوف ، وحصير هجري ، ورحى لليد ، ومخضب من نحاس ، وسقاء من أدم ، وقعب للبن ، وشنّ للماء ، ومطهرة مزفّتة ، وجرّة خضراء ، وكيزان خزف .
فلما عرض المتاع على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جعل يقلّبه بيده ويقول : بارك الله لاَهل البيت » (1) .
واقتصرت كثير من الروايات على بعض ما جاء في هذه الرواية من الجهاز (2) .
____________
1) أمالي الطوسي : 40 | 45 . وبحار الأنوار 43 : 94 | 5 .
2) راجع : مستدرك الحاكم 2 : 185 . ومسند أحمد 1 : 84 . و3 : 104 و 108 . والطبقات الكبرى 8 :

=


( 58 )

وروي عن أُمّ سلمة وسلمان الفارسي وعلي عليه السلام أنهم قالوا : وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبضةً من الدراهم ، ودعا بأبي بكر فدفعها إليه ، وقال : « يا أبا بكر ، اشترِ بهذه الدراهم لابنتي ما يصلح لها في بيتها » وبعث معه سلمان وبلالاً ليعيناه على حمل ما يشتريه ، قال أبو بكر : وكانت الدراهم التي أعطانيها ثلاثة وستين درهماً ، فانطلقت واشتريت فراشاً من خيش مصر محشوّاً بالصوف ، ونطعاً من أدم ، ووسادة من أدم حشوها من ليف النخل وعباءة خيبرية ، وقربة للماء ، وكيزاناً ، وجراراً ، ومطهرة للماء ، وستر صوف رقيقاً ، وحملناه جميعاً حتى وضعناه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلمّا نظر إليه بكى وجرت دموعه ، ثمّ رفع رأسه إلى السماء وقال : « اللهمَّ بارك لقومٍ جلّ آنيتهم الخزف » (1) .
وأخرج أبو يعلى عن علي عليه السلام ، قال : « أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يجعل ثلثين في الطيب ، وثلثاً في الثياب » (2) .
وروى ابن شهرآشوب عن الصادق عليه السلام قال : « أعطى منها قبضة كانت ثلاث وستين أو ستة وستين إلى أُمّ أيمن لمتاع البيت ، وقبضة إلى أسماء للطيب ، وقبضة إلى أُمّ سلمة للطعام ، وأنفذ عماراً وأبا بكر وبلالاً لابتياع مايصلحها » (3) .
أما بيت علي عليه السلام الذي زفّت إليه الزهراء عليها السلام فكان بمنتهى البساطة والتواضع ، روى ابن شهرآشوب عن وهب بن وهب القرشي ، قال : وكان
____________
=
20 ـ 21 . والثغور الباسمة : 35 . واتحاف السائل : 51 .
1) كشف الغمة | الاربلي 1 : 359 . ومناقب الخوارزمي : 253 . وبحار الأنوار 43 : 130 .
2) اتحاف السائل : 44 .
3) المناقب 3 : 352 .
( 59 )

من تجهيز علي عليه السلام داره انتشار رمل لين ، ونصب خشبة من حائط إلى حائط للثياب ، وبسط إهاب كبش ، ومخدّة ليف (1) .
وأخرج ابن ماجة عن عائشة وأُمّ سلمة ، قالتا : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نجهز فاطمة عليها السلام حتى ندخلها على علي عليه السلام فعمدنا إلى البيت ، ففرشناه تراباً ليناً من أعراض البطحاء ، ثم حشونا مرفقتين ليفاً ، فنفشناه بأيدينا ... وعمدنا إلى عود فعرضناه في جانب البيت ليلقى عليه الثوب ويعلّق عليه السقاء (2)
وروى أحمد بالاسناد عن عكرمة وأبي يزيد المديني ، قال : لمّا أُهديت فاطمة إلى علي عليه السلام لم تجد عنده إلاّ رملاً مبسوطاً ووسادة وجرة وكوزاً (3) .
وعن الإمام الصادق عليه السلام عن أبيه عليه السلام قال : « كان فراش علي وفاطمة عليها السلام حين دخلت عليه إهاب كبش ، إذا أرادا أن يناما عليه ، قلباه فناما على صوفه ، وكانت وسادتها أدماً حشوها ليف ، وكان صداقها درعاً من حديد » (4) .
وأخرج ابن سعد عن علي عليه السلام قال : « تزوجت فاطمة عليها السلام ومالي ولها فراش غير جلد كبش ، ننام عليه بالليل ، ونعلف عليه الناضح بالنهار ، ومالي ولها خادم غيرها » (5) .
وأخرج أحمد بن حنبل ، عن علي عليه السلام قال : « ما كان لنا إلاّ إهاب كبش ،
____________
1) المناقب 3 : 353 .
2) سنن ابن ماجة 1 : 616 | 1911 .
3) فضائل أحمد 2 : 567 | 956 مؤسسة الرسالة . وتذكرة الخواص : 307 . ومجمع الزوائد 9 : 29 عن أسماء بنت عميس .
4) قرب الاسناد | الحميري : 53 مؤسسة آل البيت عليهم السلام ـ قم . والطبقات الكبرى 8 : 23 . وبحار الأنوار 43 : 104 | 14 .
5) الطبقات الكبرى 8 : 22 . وذخائر العقبى : 35 . والثغور الباسمة : 33 . وتذكرة الخواص : 307 .


( 60 )

ننام على ناحيته ، وتعجن فاطمة على ناحيته » (1) .
قال الشاعر :

رفرف السعدُ فوق كوخٍ صغيرٍ * لـم يُـدنّس بـقسوة الأغــــــنيـاء
إن تكن قسمـةُ الغنيّ متـاعـــاً * فالإلـه الرحــــمـن للاَتقيـاء (2)

بيت الزهراء عليها السلام :
هذا هو ما ورد في وصف بيت الزهراء عليها السلام بأثاثه البسيط وجهازه المتواضع ، فلتتعلم منه الاُمّة درس التضحية والإيثار ومظاهر العزّ والعظمة ، فإنّه الحلّ الحاسم لكثير من المشكلات الاجتماعية التي كانت ولا زالت تهدد المجتمعات الإنسانية ويضجّ العالم تحت وطأتها .
فلو زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة من بعض رجالات العرب الذين تقدموا لخطبتها وحاشاه أن يفعل ، لكانت ترفل بحلل الحرير والديباج ، وتزدهي بقلائد الذهب والفضة ، ولسكنت القصور والعلالي ، ولكان لها الخدم والحشم ، بدل القربة التي استقت بها فأنهكتها ، والرحى التي طحنت بها حتى مجلت يدها ، والمكنسة التي قمّت بها حتى اغبرت ثيابها ، لكن السعادة والسكينة والرحمة ليس في القصور الضخمة ، ولا في اقتناء الذهب والفضة ، بل حيث يكون ابن عمها الكفء ، أمير المؤمنين وإمام المتقين وأبو الأئمة الميامين ، أول الناس إسلاماً ، وأكثرهم علماً ، وأعظمهم حلماً .
(في هذا المكان ، وهذا البيت المتواضع الذي كان جُلّ أثاثه من الخزف ،
____________
1) الثغور الباسمة : 35 . وإتحاف السائل : 51 .
2) البيتان لبولس سلامة من قصيدة عيد الغدير : 80 الطبعة الرابعة ـ طهران .

( 61 )

كان يبتهج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويغتبط ، ويجد لنفسه السكينة والسعادة والهناء ، ويفيض من قلبه الحبّ الأبوي والحنان على بضعته فاطمة عليها السلام ، وريحانتيه من الدنيا الحسن والحسين عليهما السلام ، وعلي عليه السلام أخيه وصهره ووارث علمه وحكمته وشريكه في خصائصه ماعدا النبوة .
في هذا البيت الذي ضمّ آل الرسول ، ودرج فيه الحسنان ، كان يجلس محمد صلى الله عليه وآله وسلم وينعم برؤية الأهل والأولاد ، ويلقي عن كاهله الاتعاب والأوصاب ، وما لاقاه من الأذى في سبيل دعوته .
في هذا البيت كان يجلس ربّ العائلة محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع عائلته؛ علي عليه السلام عن يمينه ، وفاطمة عليها السلام عن يساره ، والحسن والحسين عليهما السلام في حجره ، يقبّل هذا مرّة وذاك اُخرى ، يباركهم ويدعو لهم ، ويسأل الله أن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيراً .
ومن هذا البيت كان يخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى السفر ، وبه يبدأ إذا عاد ، وفي هذا البيت نزل الروح الأمين بالوحي من الله على قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخدم الملائكة فيه سيدي شباب أهل الجنة .
ومن هذا البيت المتواضع شعّ نور الهداية والإسلام على الناس مدى الأجيال ، وفي هذا البيت الفقير سبّحت الزهراء وبعلها وبنوها عليهم السلام بالغدوّ والآصال .
قال أنس وبريدة : قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (
في بُيُوتٍ أذِنَ اللهُ أن تُرفَعَ ويُذكَرَ فيها اسمُهُ يُسَبِّحُ لهُ فيها بالغُدُوِّ والأصالِ) (1) ، فقام إليه رجل فقال : أي بيوت هذه يا رسول الله؟ قال : « بيوت الأنبياء » فقام إليه أبو بكر وقال : يا رسول الله ، هذا البيت منها؟ وأشار إلى بيت علي وفاطمة عليهما السلام ، فقال
____________
1) سورة النور : 24 | 36 .


( 62 )

الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : « نعم من أفاضلها » (1) ) (2) .
وعلى باب هذا البيت كان يمرّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا خرج إلى صلاة الصبح ويقول : « الصلاة ( إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) » (3) .
ولكرامة هذا البيت الطاهر ومن فيه من شموس الهداية ومنارات التقى وأعلام اليقين ، فقد استثناه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما أمر بسدّ الأبواب الشارعة إلى المسجد دونه ، وكان ذلك بأمر من الله تعالى ، ليبين بذلك عظيم منزلتهم ومنتهى درجتهم .

الزفاف والتكبير :
إنّ ذكر اسم الله تعالى في مقدمات الزواج يضفي قيمة معنوية عليه ، ويربطه بخالق الوجود الأكبر ، مما يسهم في استمرار العلاقة الزوجية لاستنادها إلى ركن قويم وتربية روحية صالحة .
وزواج الزهراء عليها السلام باركت له السماء قبل الأرض ، وكبرت له الملائكة قبل البشر ، فكبّر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكبر الصحابة ، ووقع التكبير على العرائس من يوم زفافها ، وجرت السُنّة به إلى يوم القيامة .
روى الشيخ الطوسي وغيره بالاسناد عن الإمام موسى بن جعفر عن أبيه عن جده عليه السلام عن جابر بن عبدالله ، قال : لما كانت ليلة زفاف فاطمة عليها السلام أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ببغلته الشهباء ، وثنى عليها قطيفة ، وقال لفاطمة : « اركبي » ، وأمر
____________
1) الدر المنثور | السيوطي 6 : 203 . وروح المعاني | الالوسي 18 : 174 .
2) فضائل الإمام علي عليه السلام | الشيخ محمد جواد مغنية : 26 ـ 27 مكتبة الهلال ـ بيروت .
3) المعجم الكبير 22 : 402 | 1002 . ومسند أحمد 3 : 259 و 285 . ومستدرك الحاكم 3 : 158 . وسنن الترمذي 5 : 352 | 3206 .

( 63 )

سلمان أن يقودها ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يسوقها ، فبينا هو في بعض الطريق إذ سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجبةً ، فإذا هو بجبرئيل في سبعين ألفاً ، وميكائيل في سبعين ألفاً . فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « ما أهبطكم إلى الأرض؟ » قالوا : جئنا نزفُّ فاطمة إلى علي بن أبي طالب فكبّر جبرائيل ، وكبّر ميكائيل ، وكبّرت الملائكة ، وكبّر محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فوقع التكبير على العرائس من تلك الليلة (1) .
وروى ابن شهرآشوب عن الخطيب في تاريخه وابن مردويه وابن المؤذن وشيرويه الديلمي بأسانيدهم عن ابن عباس وجابر ، قالا : لمّا كانت الليلة التي زفت فاطمة عليها السلام إلى علي عليه السلام كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمامها ، وجبرئيل عن يمينها ، وميكائيل عن يسارها ، وسبعون ألف ملك من خلفها ، يسبّحون الله ويقدسونه حتى طلع الفجر (2) .
وعن كتاب (مولد فاطمة) عن ابن بابويه ـ في خبر ـ قال : أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنات عبدالمطلب ونساء المهاجرين والأنصار أن يمضين في صحبة فاطمة ، وأن يفرحن ويرجزن ويكبّرن ويحمدن ، ولا يقلن ما لا يرضي الله ، فارتجزت أُمّ سلمة وعائشة وحفصة ومعاذة أُمّ سعد بن معاذ ، وكانت النسوة يرجعن أوّل بيت من كل رجز ، ثم يكبّرن ، ودخلن الدار ، ثم أنفذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى علي ودعاه إلى المسجد ، ثم دعا فاطمة عليها السلام فأخذ بيدها ووضعها في يده ، وقال : « بارك الله في ابنة رسول الله » (3) .
وفي حديث أُمّ سلمة : أنّه صلى الله عليه وآله وسلم أخذ عليّاً بيمينه ، وفاطمة بشماله ،
____________
1) أمالي الطوسي : 258 | 464 . والفقيه 3 : 253 | 1202 . ومناقب ابن المغازلي : 343 | 395 . وترجمة الإمام علي عليه السلام من تاريخ دمشق 1 : 234 | 299 . وبحار الأنوار 43 : 104 | 15 .
2) المناقب 3 : 354 . وتاريخ بغداد 5 : 7 . ومقتل الحسين عليه السلام | الخوارزمي 1 : 66 . وذخائر العقبى : 32 . وبحار الأنوار 43 : 115 .
3) المناقب 3 : 354 . وبحار الأنوار 43 : 115 .


( 64 )

وجمعهما إلى صدره ، فقبّل بين أعينهما ، ودفع فاطمة عليها السلام إلى علي عليه السلام وقال : « ياعلي ، نعم الزوجة زوجتك » ثم أقبل على فاطمة عليها السلام وقال : « يافاطمة ، نعم البعل بعلك » ، ثم قام معهما يمشي بينهما حتى أدخلهما بيتهما الذي هيّىء لهما ، ثم خرج من عندهما ، فأخذ بعضادتي الباب . فقال : « طهركما الله وطهّر نسلكما ، أنا سلمٌ لمن سالمكما ، أنا حربٌ لمن حاربكما ، أستودعكما الله واستخلفه عليكما » (1) .

الوليمة :
وفي زواج الزهراء عليها السلام دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً عليه السلام لاَن يصنع طعاماً ويدعو الناس عامة لتكون سنة في أُمّته ، روى الشيخ الطوسي بالاسناد عن أبي عبدالله عليه السلام قال : « ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا علي ، اصنع لاَهلك طعاماً فاضلاً ، ثم قال : من عندنا اللحم والخبز ، وعليك التمر والسمن ، فاشتريت تمراً وسمناً ، فحسر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذراعه ، وجعل يشدخ التمر في السمن حتى اتخذه حيساً ، وبعث إلينا كبشاً سميناً فذبح ، وخُبز لنا خبز كثير ، ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ادعُ من أحببت » . . . الحديث (2) .
وروى الاربلي عن أُمّ سلمة وسلمان الفارسي وعلي عليه السلام أنهم قالوا : أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الدراهم التي سلّمها إلى أُمّ سلمة عشرة دراهم ، فدفعها إلى علي عليه السلام وقال : « اشتر سمناً وتمراً وأقطاً ، قال علي عليه السلام : فاشتريت وأقبلت به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحسر عن ذراعيه ، ودعا بسفرة من أدم ، وجعل يشدخ التمر والسمن ويخلطهما بالأقط حتى اتخذه حيساً ، ثم قال : يا علي ، ادعُ من
____________
1) كشف الغمة | الاربلي 1 : 361 .
2) أمالي الطوسي : 42 | 45 . وبحار الأنوار 43 : 95 | 5 .


( 65 )

أحببت . . » إلى آخر الرواية (1) .
وروى الطبراني بالاسناد عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا بلالاً ، فقال : « يا بلال ، إنّي قد زوجّت ابنتي ابن عمي ، وأنا أحبُّ أن تكون سُنّة أُمتي الطعام عند النكاح ، فائت الغنم فخذ شاة وأربعة أمداد أو خمسة ، واجعل لي قصعة ، لعلّي أجمع عليها المهاجرين والأنصار ، فإذا فرغت منها فآذني بها » فانطلق ففعل ما أمره به ، ثم أتاه بقصعة فوضعها بين يديه ، فطعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رأسها ، ثم قال : « أدخل عليّ الناس زُفّة زُفّة » (2) .
ولا تعارض بين هذه الأخبار ، لاَنّه صلى الله عليه وآله وسلم شرط في الأول أن يكون التمر والسمن على علي عليه السلام ، وهو ما يفسره الخبر الثاني ، وشرط أيضاً أن يكون اللحم والخبز على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ما يفسره الخبر الأخير .
وحسبك من وليمة تجتمع على أطرافها البركة والخير والنماء ، فهي تصنع بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبيده ، وهو الذي يدعو لها ويبارك فيها ، فلابدّ أن تكون أفضل وليمة على رغم بساطتها وتواضعها .
أخرج ابن سعد عن أسماء بنت عميس (3) ، قالت : جهزت فاطمة إلى علي ، وما كان حشو فراشهما ووسائدهما إلاّ الليف ، ولقد أولم علي على فاطمة ، فما كانت وليمة في ذلك الزمان أفضل من وليمته (4) .
____________
1) كشف الغمة | الاربلي 1 : 361 . وبحار الأنوار 43 : 132 . والمناقب | الخوارزمي : 254 .
2) المعجم الكبير 22 : 411 | 1022 . ومجمع الزوائد 9 : 209 . وإتحاف السائل : 39 .
3) احتمل الاربلي أن تكون أسماء التي حضرت عرس الزهراء عليها السلام هي سلمى بنت عميس زوجة حمزة بن عبدالمطلب عليه السلام لاَنّ أسماء بنت عميس كانت بأرض الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب عليه السلام وقال غيره : هي أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية .
4) الطبقات الكبرى 8 : 14 . وذخائر العقبى : 33 . وكشف الغمة | الاربلي 1 : 366 عن الدولابي . وبحار الأنوار 43 : 138 | 34 .


( 66 )

الدعاء للعريسين :
وحظي زواج الزهراء عليها السلام بدعاء خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم فجرت السُنّة بذلك لتأكيد القيم الروحية والمعنوية في الزواج ، وتأصيلها في العلاقة الزوجية من يومها الأول .
روى أنس بن مالك عن أُمّ أيمن ، قالت : إنّه لما كانت ليلة البناء ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام : « إذا أتتك فلا تحدث شيئاً حتى آتيك » فدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال لفاطمة عليها السلام : « ائتيني بماء » فقامت إلى قعب في البيت فجعلت فيه ماء فأتته به ، فمجّ فيه ثم قال لها : « قومي » فنضح بين ثدييها وعلى رأسها ، ثم قال : « اللهمَّ أُعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم » ثم قال لها : « أدبري » فأدبرت ، فنضح بين كتفيها ، ثم قال : « اللهمَّ إني أُعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم » ثم قال : « ائتيني بماء » فأتته ، فأخذ منه بفيه ، ثم مجّه فيه ، ثم صبّ على رأس علي وبين يديه ، ثم قال : « اللهمَّ إني أعيذه وذريته من الشيطان الرجيم » ثم قال : « ادخل على أهلك باسم الله والبركة » (1) .
وزارهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صبيحة العرس ـ وقيل : في صبيحة اليوم الرابع (2) ـ فسأل عليّاً عليه السلام : « كيف وجدت أهلك؟ » فقال : « نعم العون على طاعة الله » وسأل فاطمة عليها السلام فقالت : « خير بعل » فقال : « اللهمَّ اجمع شملهما ، وألّف بين قلوبهما ، واجعلهما وذريتهما من ورثة جنة النعيم ، وارزقهما ذرية طاهرة طيبة مباركة ، واجعل في ذريتهما البركة ، واجعلهم أئمة يهدون بأمرك إلى طاعتك ، ويأمرون بما يرضيك » (3) .
____________
1) المعجم الكبير 22 : 409 | 1021 . ومجمع الزوائد 9 : 206 . واتحاف السائل : 35 و 47 .
2) كشف الغمة | الاربلي 1 : 362 .
3) مناقب ابن شهرآشوب 3 : 355 . وبحار الأنوار 43 : 117 .


( 67 )

وكان من عادة العرب في الجاهلية أن يقولوا للمتزوجين : بالرفاء والبنين ، فنهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في زواج الزهراء عليها السلام وسنّ فيه غيره ، روى ثقة الإسلام الكليني عن أبي عبدالله البرقي رفعه ، قال : « لمّا زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة قالوا : بالرفاء والبنين . قال : لا ، بل على الخيروالبركة » (1) .

المبحث الرابع : دورها في داخل الاُسرة وخارجها :

انتقلت الزهراء عليها السلام من بيت أبيها النبي صلّى الله عليه وآله وسلم إلى بيت بعلها الوصي عليه السلام ، ذلك البيت الذي تحفّه الرحمة ويغمره الايمان ، فتشكلت الاُسرة الطاهرة من سيدين معصومين درجا في أحضان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ونهلا من نمير علمه وخلقه العظيم ومكارم أخلاقه وكمالات نفسه الكريمة ، فكان علي عليه السلام سيد الوصيين النموذج الكامل والقدوة الصالحة للرجل في الإسلام ، وكانت الزهراء عليها السلام سيدة نساء العالمين النموذج الكامل للمرأة في الإسلام .
وقد وجدت الزهراء عليها السلام نفسها وهي في بيت الإمام عليه السلام أمام وظائف جسيمة ، ومسؤوليات عظيمة ، فباعتبارها القدوة الحسنة والاُسوة المثلى للمرأة المسلمة ، كان عليها أن ترسم الطريق لمعالم البيت الإسلامي الأمثل في الإسلام ، وقد استطاعت وبكل جدارة أن تضرب أروع الأمثلة في طاعة الزوج ومراعاة حقوقه والاخلاص له ، والصبر على شظف العيش وقلة ذات اليد ، وفي القيام بمسؤوليات البيت وأداء واجبات الاُسرة في جوّ من المودة والصفاء والتعاون والوفاء ، وفي تربية الأولاد الصالحين ، بما ليس له نظير ،
____________
1) الكافي 5 : 568 | 52 . وبحار الأنوار 43 : 144 | 46 .


( 68 )

وفي ما يلي بعض معالم تلك الاُسرة الفريدة التي أنعم الله عليها بما يشاء .

1 ـ الطاعة وحسن المعاشرة :
كانت الزهراء عليها السلام نعم الزوجة لاَمير المؤمنين عليه السلام ما عصت له أمراً وما خالفته في شيء ولا خرجت بغير إذنه ، وكانت تعينه على طاعة الله تعالى ، وتؤثره على نفسها ، وتدخل عليه البهجة والسرور ، حتى إنّه إذا نظر إليها انكشفت عنه الهموم والأحزان .
جاء في روضة الواعظين أن الزهراء عليها السلام قالت في مرض موتها لاَمير المؤمنين عليه السلام : « يا بن عم ، ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ، ولا خالفتك منذ عاشرتني » فقال عليه السلام : « معاذ الله! أنتِ أعلم بالله ، وأبرّ وأتقى وأكرم وأشدّ خوفاً من الله من أن أوبخك بمخالفتي » (1) .
وبالمقابل كان أمير المؤمنين عليه السلام نعم البعل للزهراء عليها السلام يغدق عليها من فيض حبّه وعطفه ، ويشعرها باخلاصه وودّه لها ، وما كان يغضبها ولا يكرهها على شيء قطّ ، وإن أرجف المرجفون على هذا البيت الطاهر بأراجيف شتى .
عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : « والله ما أغضبتها ولا أكرهتها على أمرٍ حتى قبضها الله عزَّ وجلَّ . ولا أغضبتني ، ولا عصيت لي أمراً ، ولقد كنت أنظر إليها فتنكشف عنّي الهموم والأحزان » (2) .
وضربت الزهراء عليها السلام أروع الأمثلة في الصبر على ألم المعاناة من العمل في داخل المنزل حتى إنّها كانت تغزل جزة الصوف بثلاثة آصع من شعير .
عن تفسير الثعلبي : أن عليّاً عليه السلام انطلق إلى يهودي يعالج الصوف ، فقال له :

____________
1) بحار الأنوار 43 : 191 | 20 .
2) كشف الغمة | الاربلي 1 : 363 . وبحار الأنوار 43 : 134 . ومناقب الخوارزمي : 247 .


( 69 )

« هل لك أن تعطيني جزةً من صوف تغزلها لك بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم بثلاثة آصع من شعير؟ » قال : نعم . فأعطاه الصوف والشعير . فقبلت فاطمة عليها السلام وأطاعت ، وقامت إلى صاع فطحنته وخبزت منه خمسة أقراص (1) .
وعن أنس ، قال : إنّ بلالاً أبطأ عن صلاة الصبح ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « ماحبسك؟ » فقال : مررت بفاطمة وهي تطحن والصبي يبكي ، فقلت لها : إن شئت كفيتك الرحا وكفيتني الصبي ، وان شئت كفيتك الصبي وكفيتني الرحال . فقالت : « أنا أرفق بابني منك » فذاك حبسني . قال : « رحمتها رحمك الله » (2) .
وفي مثل هذه الظروف القاهرة كانت عليها السلام لا تخرج منها غير كلمة الطاعة ، فحينما سألها أمير المؤمنين عليه السلام إطعام المسكين الذي طرق بيت الزهراء عليها السلام قالت :

« أمرك سمعٌ يابن عمّ وطاعة * ما بي من لؤمٍ ولا وضاعة » (3)
ولا تتوانى ابنة الرسالة عن أداء مهامها في البيت طاعةً لزوجها على الرغم من حالة الفقر التي كانت تلفّ حياتها في بيت الزوجية ، حتى أن أمير المؤمنين عليه السلام رقّ لحالها من شدّة ما تعانيه من أتعاب منزلية .
أخرج السيوطي في مسند فاطمة عليها السلام عن هبيرة ، عن علي عليه السلام ، قال :
____________
1) إحقاق الحق | الشهيد التستري 10 : 264 مكتبة السيد المرعشي ـ قم ، عن تفسير الثعلبي .
2) مسند أحمد 3 : 150 . ومجمع الزوائد 10 : 316 . وتاريخ دمشق 10 : 332 ـ دمشق . ومجموعة ورّام 2 : 230 .
3) تفسير فرات : 521 ـ طهران 1410 هـ . ومناقب ابن شهر آشوب 3 : 374 . وتذكرة الخواص 314 . وتفسير القرطبي 19 : 132 . واتحاف السائل : 105 .


( 70 )

« قلت لفاطمة عليها السلام : لو أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسأليه خادماً ، فإنّه قد جهدك الطحن والعمل . . ؟ » (1) .
وعن الحسين بن علي ، عن أبيه علي عليهما السلام ، أنّه قال لفاطمة عليها السلام : « اذهبي إلى أبيك صلى الله عليه وآله وسلم ، فسليه يعطيك خادماً ، يقيك الرحى وحرّ التنور . . » (2) .
وعن علي بن أعبد ، قال : قال لي علي عليه السلام : « ألا أُحدّثك عني وعن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكانت من أحبّ أهله إليه؟ » قلت : بلى .
قال عليه السلام : « إنّها جرّت بالرحى حتى أثّرت في يدها ، واستقت بالقربة حتى أثرت في نحرها ، وكنست البيت حتى اغبرت ثيابها ، وأوقدتالقدرحتىدكنت ثيابها ، وأصابها من ذلك ضرّ ، فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم خدمٌ ، فقلت : لو أتيت أباك فسألتيه خادماً ، فأتته فوجدت عنده حُدّاثاً فاستحيت فرجعت ، فأتاها من الغد ، فقال : ما كان حاجتك ؟ فسكتت ، فقلت : أُحدّثك يا رسول الله ، جرّت ندي عندي بالرحى حتى أثّرت في يدها ، وحملت بالقربة حتى أثّرت في نحرها ، وكسحت البيت حتى أغبرّت ثيابها ، وأوقدت القدر حتى دكنت ثيابها ، فلمّا جاءك الخدم أمرتها أن تأتيك فتستخدمك خادماً يقيها حرّ ما هي فيه .
قال : اتقي الله يا فاطمة ، وأدّي فريضة ربك ، وأعملي عمل أهلك ، إن أخذت مضجعك فسبحي ثلاثاً وثلاثين ، وأحمدي ثلاثاً وثلاثين ، وكبّري أربعاً وثلاثين ، فتلك مائة ، فهي خير لك من خادم . فقالت : رضيت عن الله وعن رسوله ، ولم يُخدمها » (3) .
____________
1) مسند فاطمة عليها السلام | السيوطي : 102 عن ابن جرير .
2) مسند فاطمة عليها السلام | السيوطي : 103 عن أبي نعيم .
3) مسند فاطمة عليها السلام | السيوطي : 110 عن أبي داود ، والعسكري في المواعظ ، وأبي نعيم ، وعبدالله بن أحمد بن حنبل .


يتبع

 

 

من مواضيع ابن الساري في المنتدى

0 الـ ـسـ ـيارة الالـ ـماسـ ـية (صور)
0 في ترحيب ؟؟
0 هذا القليل من الصور الى المرحوم ...>...>>
0 في مأتم الشويخ في وفاة الزهراء يوسف الرومي
0 مهم جداً الى الشبان والشابات (( هل حلال ام حرام ؟؟))
0 السيد الشرازي المتوفاة وإمام الزمان
0 العلماء ... مهم جداً جداً ... أقرأ المقال
0 وين جوابكم اخواني السنه على هذا السؤال
0 أعمال الروافض في شيعة أهل البيت عليهم السلام
0 هذا من مذهب أهل السنه
0 شارك معنا في حملة أفضل اقول المؤمن
0 صور لا تفوتكم لهذا الخيل المحب للحسين
0 شاركونا أحزان السيدة الزهراء في القصاب
0 قرية باربار + مولد الامام المهدي+المفاجآت
0 شهر رمضان لسه للعب واللهوا

توقيع ابن الساري
 
السلام عليك يا أبا عبدالله
  رد مع اقتباس
قديم 12-05-2008, 11:54 PM   #12 (permalink)
عضو مشارك

الصورة الرمزية ابن الساري


بيانات ابن الساري
رقم العضوية 91337
تاريخ التسجيل Jan 2008
المشاركات 193
بمعدل 0.62 مشاركة في اليوم
الهواية  
الجنس
الحالة ابن الساري غير متصل
المزاج اليوم
علم الدولة علم الدولة Bahrain
عدد النقاط 50
بدأت الانترنت عام 2000 او قبل
افتراضي رد: فعاليات وفاة الزهراء (ع) المجال مفتوح لمشاركاتكم

 

 

يتبع

ـ التعاون وتقسيم العمل :
ومن مظاهرالعظمة في بيت الزهراء عليها السلام والتي تستحق أن تكون قدوة لنا في حياتنا وأُسوة في تعاملنا داخل بيوتنا ، هو التعاون بوئامٍ وإخلاص بين الزوج والزوجة على إدارة شؤون البيت وتقسيم العمل في داخله وخارجه .
روى العياشي عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال : « إنّ فاطمة عليها السلام ضمنت لعلي عليه السلام عمل البيت والعجين والخبز وقمّ البيت ، وضمن لها علي عليه السلام ما كان خلف الباب : نقل الحطب وأن يجيء بالطعام . . » (1) .
وعن هشام بن سالم ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال : « كان أمير المؤمنين عليه السلام يحتطب ويستقي ويكنس ، وكانت فاطمة عليها السلام تطحن وتعجن وتخبز » (2) .
وكان أمير المؤمنين عليه السلام يشاطرها الخدمة في أعمال المنزل الخاصة بها ، فقد جاء عن ابن شاذان أنه دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على علي عليه السلام فوجده هو وفاطمة عليها السلام يطحنان في الجاروش ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « أيكما أعيى؟ » فقال علي عليه السلام : « فاطمة يا رسول الله » فقال لها : « قومي يابنية » فقامت وجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم موضعها مع علي عليه السلام فواساه في طحن الحبّ (3) .
ومن مظاهر التواضع والعدل في بيت الزهراء عليها السلام أنّ تقسيم العمل لا يقتصر على أفراد الاُسرة وحسب ، بل كانت تتناوب بالعمل مع الخادمة يوماً بيوم ، حيث أخدمها النبي صلى الله عليه وآله وسلم جارية أسمها فضّة بعد أن كثرت الفتوح والمغانم وارتفع الفقر عن أهل الصفّة وسائر ضعفاء المدينة .
____________
1) تفسير العياشي 1 : 171 | 41 المكتبة العلمية ـ طهران . وبحار الأنوار 43 : 31 | 38 .
2) الكافي 5 : 86 | 1 . وأمالي الطوسي : 660 | 1369 . والفقيه 3 : 169 . وبحار الأنوار 43 : 151 | 7 .
3) بحار الأنوار 43 : 50 | 47 . وروى نحوه ورّام في تنبيه الخواطر 2 : 230 ، مكتبة الفقيه ـ قم .


( 72 )

روى الخوارزمي بالاسناد عن الإمام الباقر عليه السلام عن أبيه علي بن الحسين عليه السلام أنّه ذكر تزويج فاطمة عليها السلام ثم قال : « إنّ فاطمة عليها السلام سألت من رسول الله خادماً ـ إلى أن قال : ـ ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ساحل البحر ، فأصاب سبياً فقسمه ، فأمسك امرأتين إحداهما شابة ، والاُخرى قد دخلت في السنّ ليست بشابة ، فبعث إلى فاطمة عليها السلام وأخذ بيد المرأة فوضعها في يد فاطمة عليها السلام وقال : يا فاطمة ، هذه لك ولا تضربيها ، فإنّي رأيتها تصلي ، وإن جبرئيل نهاني أن أضرب المصلين ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوصيها بها ، فلمّا رأت فاطمة عليها السلام ما يوصيها بها التفتت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقالت : يا رسول الله ، عليّ يوم وعليها يوم ، ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالبكاء وقال : الله أعلم حيث يجعل رسالته ( ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ) » (1) .
وفي الاصابة عن ابن صخر في فوائده وابن بشكوال في كتاب المستغيثين ، بالاسناد عن أمير المؤمنين عليه السلام ، قال : « إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخدم فاطمة ابنته جارية اسمها فضّة النوبية ، وكانت تشاطرها الخدمة . . . فقالت لها فاطمة عليها السلام : أتعجنين أو تخبزين؟ » فقالت : بل أعجن يا سيدتي وأحتطب . . » (2) .
وروى الطبري والراوندي بالاسناد عن سلمان رضي الله عنه قال : كانت فاطمة عليها السلام جالسة قدامها رحى تطحن بها الشعير وعلى عمود الرحى دم سائل ، والحسين في ناحية الدار يبكي من الجوع . فقلت : يا بنت رسول الله ، دبرت كفاك وهذه فضّة؟
فقالت : « أوصاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تكون الخدمة لها يوماً ، فكان أمس
____________
1) مقتل الحسين عليه السلام | الخوارزمي 1 : 69 .
2) الاصابة | ابن حجر 4 : 387 .
</B>


( 73 )

يوم خدمتها . . » (1) .

3 ـ تربية الأولاد :
اضطلعت الزهراء عليها السلام بمهمة اُخرى لا تقل عن مهمة مباشرتها لاَعمال المنزل ، تلك هي تربية الأولاد ، فقد وهبها الله كرامة أُمومة الأوصياء ، وأعطاها شرف الربط بين النبوة والإمامة ، وقد استطاعت أن تجني من نتاج تربيتها أقدس الثمار ، فكان الحسن السبط عليه السلام أول مولود لفاطمة عليها السلام حيث ولد في النصف من شهر رمضان عام ثلاثة من الهجرة ، ثم الحسين السبط الشهيد عليه السلام الذي ولد في الثالث من شهر شعبان عام أربعة من الهجرة ، وهما سيدا شباب أهل الجنة ، والإمامان إن قاما وإن قعدا .
وكان المولود الثالث زينب العقيلة عليها السلام بطلة كربلاء ، وكان مولدها في السنة الخامسة من الهجرة ، ثم ابنتها الثانية وهي السيدة أُمّ كلثوم عليها السلام وقد ولدت بعد اختها بعام واحد وقيل : بعامين (2) ، وابنها الأخير حملت به في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسمّاه قبل أن يولد محسناً ، لكنه أُسقط قبل ولادته عليه السلام فاستشهد مظلوماً بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأيام على إثر حوادث السقيفة والتي سنتعرض لبعضها في الفصل الأخير من هذا البحث .
لقد غرست الزهراء عليها السلام في نفوس أولادها خصال الخير ومكارم الأخلاق ومعالي الفضيلة ، وأرضعتهم مبادىء التوحيد والدفاع عن الحقِّ ، فقد روي أنها عليها السلام كانت ترقّص الحسن عليه السلام وهي تقول :
____________
1) دلائل الإمامة : 140 | 48 . والخرائج والجرائح 2 : 530 | 6 . وبحار الأنوار 43 : 28 | 33 .
2) وقد ذهب بعض الباحثين كالسيد عبدالرزاق المقرم الموسوي إلى أن أم كلثوم هي نفسها زينب العقيلة . وأن (أُمّ كلثوم) لقب من ألقابها ، بخلاف ما ذهب إليه الشيخ المفيد وغيره بأنّ أم كلثوم غير زينب عليهما السلام . راجع : مقتل الحسين عليه السلام | السيد عبدالرزاق المقرم .


( 74 )
أشبه أبـــــــاك يـا حسـن * واخلع عن الحقّ الرَّسن
واعبـد إلهـــــــــاً ذا منـن * ولا تُـوالِ ذا الإحــن (1)

ونشأ أولاد الزهراء عليها السلام في ظل رعاية الاُمّ سيدة النساء والأب وصي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم يحيطهم أشرف الأنبياء والرسل صلى الله عليه وآله وسلم بحنانه وعطفه وتربيته ، فكانوا خيرة البشرية وقدوة الإنسانية .
وحظي الحسن والحسين عليهما السلام بمساحة واسعة من حب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحنانه وعطفه ، فهما ريحانتاه يشمهما ويكثر من تقبيلهما ، ويحملهما على عاتقه ، ويضمهما إليه ، ويعوّذهما ، ويعلمهما القرآن ، ويلقنهما العلم والفصاحة والشجاعة والزهد والورع ، فاستوحيا رساليته وروحانيته وأخلاقيته ، وتجسدت فيهما شخصيته ، فكانا اختصاراً لجميع عناصرها الأخلاقية والروحية والإنسانية ، فصارا رمز الفضيلة والمروءة وقدوةً صالحة وخلقاً كريماً ، عملا بوصاياه وتعاليمه ، وجاهدا في سبيل دينه ومبادئه ، ونهضا من أجل إقامة الاصلاح في أُمته ، فكانا عليهما السلام مشعل نور وهداية في حياة الاُمّة .
ولقد حرّم الله سبحانه أولادها على النار كرامة لعفّتها وحصانتها ، وبياناً لمنزلتهم عند الله تعالى ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : « إنّ فاطمة أحصنت فرجها فحرّمها الله وذريتها على النار » (2) .
____________
1) مناقب ابن شهرآشوب 3 : 389 . وأعيان الشيعة 1 : 563 .
2) مستدرك الحاكم 3 : 152 . والمعجم الكبير 22 : 407 | 1018 . وحلية الأولياء | أبي نعيم 4 : 188 ـ دار الكتب العلمية . ومجمع الزوائد 9 : 202 . وعيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 63 | 264 .


( 75 )

قال الصبان : أخرج الطبراني بسند رجاله ثقات أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لفاطمة عليها السلام : « إنّ الله غير معذّبك ولا أحداً من ولدك » (1) .
وجاء في كثير من الروايات والأخبار أنّ ذلك خاص بأولادها دون سائر ذريتها ، منها ماروي بالاسناد عن محمد بن مروان ، قال : قلت لاَبي عبدالله عليه السلام : هل قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « إنّ فاطمة أحصنت فرجها فحرّم الله ذريتها على النار »؟ قال عليه السلام : « نعم ، عنى بذلك الحسن والحسين وزينب وأُمّ كلثوم » (2) .
قال حسّان بن ثابت :

وإن مريــــــم أحصنت فـرجها * وجـاءت بعيسى كبدر الدجـــى
فقد أحصنت فـاطمُ بعـدهــــــــا * وجاءت بسبطي نبيّ الهدى(3)

دورها في خارج المنزل :
إذا تجاوزنا دور الزهراء عليها السلام في إدارة أعمال المنزل وتربية الأولاد ، نرى أن سيدة النساء قد سجّلت عناوين مهمة وآفاق جديدة لدور المرأة المسلمة في مجمل النشاطات الاجتماعية والسياسية والحربية وغيرها ، ممّا يتناسب مع واقع وحاجات وظروف ذلك العصر .
فقد كانت تعلّم النساء ما يشكل عليهنّ من الأحكام الشرعية والمعارف
____________
1) إسعاف الراغبين : 181 ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت .
2) معاني الأخبار : 106 | 2 . وبحار الأنوار 43 : 231 | 3 .
3) مناقب ابن شهرآشوب 3 : 360 .

( 76 )

الإلهية الضرورية ، وكان يغشاها نساء المدينة وجيران بيتها (1) ، ويبدو أن بيتها كان المدرسة النسائية الاُولى في الإسلام ، حيث تقبل عليها النساء طالبات للعلم ، فيجدن فاطمة العالمة وهي تستقبلهنّ بصدر رحب لا يعرف الملالة والسأم .
عن الإمام العسكري عليه السلام قال : « حضرت امرأة عند الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام فقالت : إنّ لي والدة ضعيفة ، وقد لبس عليها في أمر صلاتها شيء ، وقد بعثتني إليك اسألك ، فأجابتها فاطمة عليها السلام عن ذلك ، فثنّت فأجابت ، ثم ثلّثت إلى أن عشّرت فأجابت ، ثم خجلت من الكثرة ، فقالت : لا أشقّ عليك يا ابنة رسول الله . فقالت عليها السلام : هاتي وسلي عمّا بدا لك . . . إنّي سمعت أبي يقول : إنّ علماء أُمّتنا يحشرون فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم وجدّهم في إرشاد عباد الله ، حتى يخلع على الواحد منهم ألف ألف حلّة من نور . . . » (2) .
وعنه عليه السلام قال : « قالت فاطمة عليها السلام وقد اختصمت إليها امرأتان ، فتنازعتا في شيء من أمر الدين ، إحداهما معاندة ، والاُخرى مؤمنة ، ففتحت على المؤمنة حجتها ، فاستظهرت على المعاندة ، ففرحت فرحاً شديداً ، فقالت فاطمة عليها السلام : إنّ فرح الملائكة باستظهارك عليها أشدّ من فرحك ، وإنّ حزن الشيطان ومردته أشدّ من حزنها . . . » (3) .
ومما وصل إلينا من خطبها للنساء ، خطبتها بنساء المدينة في مرض موتها ، وهي غاية في الفصاحة والمعرفة ، وسنوردها في آخر هذا البحث إن

____________
1) شرح ابن أبي الحديد 9 : 193 .
2) بحار الأنوار 2 : 3 | 3 .
3) بحار الأنوار 2 : 8 | 15 .


( 77 )

شاء الله تعالى .
ولم تقتصر في تعليمها على النساء ، بل كانت عليها السلام تطرف القاصدين إليها بما عندها من العلم والمعرفة ، فعن ابن مسعود ، قال : جاء رجل إلى فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : يا ابنة رسول الله ، هل ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندك شيئاً تطرفينيه ، فقالت : « يا جارية ، هاتي تلك الحريرة » فطلبتها فلم تجدها ، فقالت : « ويحك اطلبيها ، فانها تعدل عندي حسناً وحسيناً » فطلبتها فإذا هي قد قمّتها في قمامتها ، فإذا فيها : « قال محمد النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ليس من المؤمنين من لم يأمن جاره بوائقه . ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره . ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو يسكت . إنّ الله يحبّ الخيّر الحليم المتعفّف ، ويبغض الفاحش الضنين السَّئآل الملحف . إنّ الحياء من الإيمان ، والايمان في الجنة ، وإن الفحش من البذاء ، والبذاء في النار » (1) .
وكان للزهراء عليها السلام مشاركة فعّالة ومؤثّرة في الدعوة إلى الله تعالى في مواقع مختلفة أهمها المباهلة مع النصارى ، ونزل فيها قرآن يتلى إلى يوم القيامة (
ونساءنا ونساءكم ) (2) فكانت سيدة النساء عليها السلام هي المختصة بهذا الفضل ولم يشركها فيه أحد من نساء الاُمّة .
وكانت الزهراء عليها السلام معيناً للمحتاجين من أبناء المجتمع الإسلامي آنذاك ، تنفق في سبيل الله وتعتق الرقاب وتعين الضعفاء ، فقد توافق أغلب المفسرين على نزول قوله تعالى : (
ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً
____________
1) المعجم الكبير 22 : 413 | 1024 . ودلائل الإمامة : 65 | 1 . وقطعة من حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في صحيح البخاري 8 : 19 | 48 و 49 . وصحيح مسلم 1 : 68 | 75 و 77 . ومصابيح السُنة | البغوي 3 : 169 دار المعرفة ـ بيروت . والكافي 2 : 667 | 6 . والزهد | الحسين بن سعيد : 6 | 10 ، و 10 | 20 عن الإمام الصادق عليه السلام المطبعة العلمية ـ قم .
2) سورة آل عمران : 3 | 61 .


( 78 )

ويتيماً وأسيراً * إنّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً ) (1) في أهل البيت عليهم السلام علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام حينما تصدقوا رغم خصاصتهم على المسكين واليتيم والأسير (2) .
أخرج ابن شهرآشوب عن ابن شاهين في (مناقب فاطمة عليها السلام ) وأحمد في مسند الأنصار عن أبي هريرة وثوبان أنّها عليها السلام نزعت قلادتها وقرطيها ومسكتيها ـ أي سواريها ـ ونزعت ستر بيتها ، فبعثت به إلى أبيها صلى الله عليه وآله وسلم وقالت : « اجعل هذا في سبيل الله » فلمّا أتاه قال صلى الله عليه وآله وسلم : « قد فعلت فداها أبوها ـ ثلاث مرات ـ ما لآل محمد وللدنيا ، فإنّهم خلقوا للآخرة ، وخلقت الدنيا لغيرهم » وفي رواية أحمد : « فإنّ هؤلاء أهل بيتي ، ولا أُحب أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا » (3) .
وعن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال : « أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذينك السوارين فكسّرا فجعلهما قطعاً ، ثمّ دعا أهل الصُّفّة ـ وهم قوم من المهاجرين لم يكن لهم منازل ولا أموال ـ فقسّمه بينهم قطعاً ، ثم جعل يدعو الرجل منهم العاري الذي لا يستتر بشيء ، وكان ذلك الستر طويلاً ، ليس له عرض ، فجعل يؤزّر الرجل ، فإذا التقيا عليه قطعه حتى قسّمه بينهم أُزراً . . . ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم : رحم الله فاطمة ، ليكسونّها الله بهذا الستر من كسوة الجنة ، وليحلّينها بهذين السوارين من حلية الجنة » (4) .
____________
1) سورة الإنسان : 76 | 8 و 9 .
2) الكشاف | الزمخشري 4 : 670 . وتفسير الرازي 30 : 243 دار احياء التراث العربي . ومعالم التنزيل | البغوي 5 : 498 دار الفكر .
3) المناقب | ابن شهر آشوب 3 : 343 . ومسند أحمد 5 : 275 . وذخائر العقبى : 52 . ومسند فاطمة عليها السلام | السيوطي : 6 . وأمالي الصدوق : 305 | 348 . وبحار الأنوار 43 : 86 .
4) مكارم الأخلاق | الطبرسي : 94 الشريف الرضي ـ قم . وبحار الأنوار 43 : 82 | 6 .


( 79 )

وفي صحيفة الإمام الرضا عليه السلام عن الإمام علي بن الحسين عليه السلام قال : « حدثتني أسماء بنت عميس ، قالت : كنت عند فاطمة جدتك ، إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي عنقها قلادة من ذهب ، كان علي بن أبي طالب عليه السلام اشتراها لها من فيءٍ له ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لا يغرّنك الناس أن يقولوا : بنت محمد ، وعليك لباس الجبابرة؛ فقطعتها وباعتها ، واشترت بها رقبة فاعتقتها ، فسُرّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك » (1) .
وفوق ذلك فالمتصفح للسيرة والتاريخ يجد أنّها كانت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض غزوات الإسلام الكبرى تمسح الدم عن وجهه الكريم وتضمد جراحه .
أخرج البخاري ومسلم في الصحيح عن عبدالعزيز بن أبي حازم ، عن أبيه ، أنّه سمع سهل بن سعد يُسأل عن جرح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أُحد ، فقال : جرح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكسرت رباعيته وهشمت بيضته على رأسه ، فكانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تغسل الدم ، وكان علي بن أبي طالب عليه السلام يسكب عليها بالمجَنّ ، فلمّا رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلاّ كثرة ، أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رماداً ، ثم ألصقته بالجرح ، فاستمسك الدم (2) .
وقال الواقدي في حديثه عن معركة أُحد : خرجت فاطمة عليها السلام في نساء ، وقد رأت الذي بوجهه صلى الله عليه وآله وسلم فاعتنقته ، وجعلت تمسح الدم عن وجهه ،
____________
1) صحيفة الإمام الرضا عليه السلام : 256 | 185 طبع مؤسسة الإمام المهدي عليه السلام ـ قم . وعيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 44 | 61 . وذخائر العقبى : 51 . والمناقب | ابن شهرآشوب 3 : 343 . وبحار الأنوار 43 : 26 | 28 .
2) صحيح مسلم 3 : 1416 | 101 كتاب الجهاد والسير ـ باب غزوة أُحد . وصحيح البخاري 5 : 226 | 113 كتاب المغازي ـ باب ما أصاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الجراح يوم أُحد . ومغازي الواقدي 1 : 250 عالم الكتب ـ بيروت .


( 80 )

ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : « اشتدّ غضب الله على قومٍ أدموا وجه رسول الله » وذهب علي عليه السلام يأتي بماءٍ من المهراس ، وقال لفاطمة عليها السلام : « أمسكي هذا السيف غير ذميم » فأتى بماءٍ في مِجَنّهِ . . . فمضمض منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاه للدم الذي في فيه ، وغسلت فاطمة الدم عن أبيها (1) .
وجاء في أغلب التواريخ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ناول سيفه ابنته فاطمة عليها السلام بعد غزاة أُحد ، وقال لها : « اغسلي عن هذا دَمَهُ يا بنية » وناولها علي عليه السلام سيفه وقال :

« أفاطــم هاك السيف غيـر ذميـمِ * فلسـت بـرعـديــــــد ولا بلئـــــيـــــمِ
أفاطم قـــد أبليت في نصـر أحـــمدٍ * ومـرضـاة ربّ بـالعبـاد رحيــــــــــمِ
أميطي دمـــاء القـوم عنه فانّـــــه * سقى آل عبدالدار كأس حميم»(2)

وكانت لها إسهامات في حروب الإسلام المصيرية تناسب شخصيتها وقدراتها ، ففي وقعة أُحد كانت قد جاءت مع أربع عشرة امرأة يحملن الطعام والشراب على ظهورهن ، ويسقين الجرحى ويداوينهم (3) .
وعندما أُصيب سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب عليه السلام كانت الزهراء عليها السلام من المبادرات إلى مصرعه مع صفية بنت عبدالمطلب ، وكانت تبكي وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبكي لبكائها (4) .
وبعد أن وضعت الحرب أوزارها ، لم تنس ابنة الرسالة دور الشهداء في بناء صرح الإسلام وتشييد عزّته واكتساب ديمومته وسرّ بقائه ، قال الإمام

____________
1) مغازي الواقدي 2 : 249 .
2) تاريخ الطبري 3 : 27 دار التراث ـ بيروت . ومستدرك الحاكم 3 : 24 . وتذكرة الخواص : 164 . وشرح ابن أبي الحديد 15 : 35 . ومجمع الزوائد 6 : 122 . وأمالي الطوسي : 143 | 232 .
3) مغازي الواقدي 1 : 249 .
4) مغازي الواقدي 1 : 290 .


( 81 )

الصادق عليه السلام : « إنّ فاطمة عليها السلام كانت تأتي قبور الشهداء في كل غداة سبت ، فتأتي قبر حمزة وتترحم عليه وتستغفر له » (1) .
وفي مغازي الواقدي : كانت الزهراء عليها السلام تأتي قبور الشهداء بين اليومين والثلاثة ، فتبكي عندهم وتدعو (2) ، واتخذت من تربة حمزة عليه السلام مسبحة على عدد التكبيرات تديرها بيدها فتكبّر وتسبّح بها ، وعملت بعدها التسابيح فاستعملها الناس (3) .
ولمّا استشهد جعفر بن أبي طالب عليه السلام في مؤتة أمرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تتخذ لاَسماء بنت عميس طعاماً ثلاثة أيام ، فجرت بذلك السُنّة ، وأمرها أن تقيم عندها ثلاثة أيام هي ونساؤها لتسليها عن المصيبة (4) .
وخرجت مع أبيها وبعلها يوم فتح مكة ، وقد ضُرِبَ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خِباء بالبطحاء ، وجلس فيه يغتسل وكانت فاطمة عليها السلام تستره ، وقيل : أمرها فسكبت له غسلاً فاغتسل (5) .
ولم تنس الزهراء عليها السلام دورها الاجتماعي حتى في عبادتها ، فقد كانت تدعو للمؤمنين والمؤمنات ولا تدعو لنفسها ، متحلية بالخلق النبوي والأدب الإسلامي الرفيع .
عن الإمام الحسن عليه السلام قال : « رأيت أُمي فاطمة عليها السلام قامت في محرابها ليلة جمعتها ، فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح ، وسمعتها تدعو
____________
1) تهذيب الأحكام 1 : 465 | 168 .
2) مغازي الواقدي 1 : 313 .
3) مزار المفيد : 132 | 1 مؤسسة الإمام المهدي عليه السلام ـ قم . وبحار الأنوار 101 : 133 | 64 .
4) المحاسن | البرقي : 419 | 191 و 192 .
5) راجع : أخبار مكة | الأزرقي 1 : 161 الشريف الرضي ـ قم . ومغازي الذهبي : 555 دار الكتاب العربي ـ بيروت .


( 82 )

للمؤمنين والمؤمنات وتسمّيهم ، وتكثر الدعاء لهم ، ولا تدعو لنفسها بشيء ، فقلت لها : يا أُمّاه ، لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت : يا بني ، الجار ثمّ الدار » (1) .
وكان للزهراء عليها السلام دور رائد في الدفاع عن قضايا الإسلام المصيرية بعد رحلة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى عالم الخلود ورضوان ربه ، فقد جهرت بالحق ودافعت عن الإمامة ، وخطبت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطبة بليغة أعادت إلى الأذهان الخطوط العريضة التي رسمها الإسلام لقيادة الاُمّة بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحفظ الدعوة وتأصيل مفاهيمها ، وقد كادت خطبتها أن تؤتي أُكلها لولا تسلّط الظالمين وبطش الجبارين . وسنأتي على بعض فقرات هذه الخطبة في آخر هذا البحث .
وعلى رغم المأساة التي تعرضت لها الزهراء عليها السلام بعد وفاة أبيها صلى الله عليه وآله وسلم فقد استطاعت أن تؤدي دورها في إلقاء الحجة على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبيان الحقائق الناصعة التي طالما نوّه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بها في حياته .
جاء في خصال الشيخ الصدوق : أن فاطمة الزهراء عليها السلام لمّا منعت فدكاً وخاطبت الأنصار ، فقالوا : يا بنت محمد ، لو سمعنا هذا الكلام قبل بيعتنا لاَبي بكر ماعدلنا بعلي أحداً . فقالت : « وهل ترك أبي يوم غدير خمّ لاَحد عذراً » (2) .
وعن الإمام الباقر عليه السلام : « أنّ عليّاً عليه السلام حمل فاطمة عليها السلام على حمارٍ وسار بها ليلاً إلى بيوت الأنصار يسألهم النصرة ، وتسألهم فاطمة عليها السلام الانتصار له ، فكانوا يقولون : يا بنت رسول الله ، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ، لو كان ابن عمك سبق
____________
1) علل الشرائع | الشيخ الصدوق : 181 | 1 . ودلائل الإمامة : 151 | 65 .
2) الخصال : 173 .


( 83 )

إلينا أبا بكر ما عدلنا به ، فقال علي عليه السلام عليهم السلام أكنت أترك رسول الله ميتاً في بيته لا أُجهزه ، وأخرج إلى الناس أُنازعهم في سلطانه! وقالت فاطمة عليها السلام : ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له ، وصنعوا هم ما الله حسيبهم عليه » (1) .
____________
1) الإمامة والسياسة | ابن قتيبة 1 : 12 مكتبة مصطفى بابي الحلبي ـ مصر . وشرح ابن أبي الحديد 6 : 13 .

يتبع

 

 

من مواضيع ابن الساري في المنتدى

0 تهاني مولد أمير المؤمنين .. القليل من فضلة .. شاركونا
0 شاركونا أحزان السيدة الزهراء في القصاب
0 جديد أفراح آل البيت من باسم الكربلائي
0 جدولا الخطباء والرواديد في شهر صفر ووفاة الزهراء (ع)
0 شارك معنا في حملة أفضل اقول المؤمن
0 قرية باربار + مولد الامام المهدي+المفاجآت
0 العلماء ... مهم جداً جداً ... أقرأ المقال
0 السيد الشرازي المتوفاة وإمام الزمان
0 مولد الرسول لاعضم (ص) وحفيدة الصادق(ع) نهنيهم وإياكم
0 موضوع مهم في هذا الشهر ( لن تخسر شيئ لو قرأته )
0 نكته فنيه وعلى شكل قصه
0 كتاب ضد الشيعة في البحرين يجب ان تروه
0 اعتصام يتحول الى مشيرة في مدرسة أحمد العمران الثانوية للبنين
0 وفاة فاطمة المعصومة (ع) ونتعلم حكمة مهم جداً في الحياة
0 التهجم على أهل البيت مستمر

توقيع ابن الساري
 
السلام عليك يا أبا عبدالله
  رد مع اقتباس
قديم 12-05-2008, 11:55 PM   #13 (permalink)
عضو مشارك

الصورة الرمزية ابن الساري


بيانات ابن الساري
رقم العضوية 91337
تاريخ التسجيل Jan 2008
المشاركات 193
بمعدل 0.62 مشاركة في اليوم
الهواية  
الجنس
الحالة ابن الساري غير متصل
المزاج اليوم
علم الدولة علم الدولة Bahrain
عدد النقاط 50
بدأت الانترنت عام 2000 او قبل
افتراضي رد: فعاليات وفاة الزهراء (ع) المجال مفتوح لمشاركاتكم

 

 

يتبع

ـ التعاون وتقسيم العمل :
ومن مظاهرالعظمة في بيت الزهراء عليها السلام والتي تستحق أن تكون قدوة لنا في حياتنا وأُسوة في تعاملنا داخل بيوتنا ، هو التعاون بوئامٍ وإخلاص بين الزوج والزوجة على إدارة شؤون البيت وتقسيم العمل في داخله وخارجه .
روى العياشي عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال : « إنّ فاطمة عليها السلام ضمنت لعلي عليه السلام عمل البيت والعجين والخبز وقمّ البيت ، وضمن لها علي عليه السلام ما كان خلف الباب : نقل الحطب وأن يجيء بالطعام . . » (1) .
وعن هشام بن سالم ، عن الإمام الصادق عليه السلام قال : « كان أمير المؤمنين عليه السلام يحتطب ويستقي ويكنس ، وكانت فاطمة عليها السلام تطحن وتعجن وتخبز » (2) .
وكان أمير المؤمنين عليه السلام يشاطرها الخدمة في أعمال المنزل الخاصة بها ، فقد جاء عن ابن شاذان أنه دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على علي عليه السلام فوجده هو وفاطمة عليها السلام يطحنان في الجاروش ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « أيكما أعيى؟ » فقال علي عليه السلام : « فاطمة يا رسول الله » فقال لها : « قومي يابنية » فقامت وجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم موضعها مع علي عليه السلام فواساه في طحن الحبّ (3) .
ومن مظاهر التواضع والعدل في بيت الزهراء عليها السلام أنّ تقسيم العمل لا يقتصر على أفراد الاُسرة وحسب ، بل كانت تتناوب بالعمل مع الخادمة يوماً بيوم ، حيث أخدمها النبي صلى الله عليه وآله وسلم جارية أسمها فضّة بعد أن كثرت الفتوح والمغانم وارتفع الفقر عن أهل الصفّة وسائر ضعفاء المدينة .
____________
1) تفسير العياشي 1 : 171 | 41 المكتبة العلمية ـ طهران . وبحار الأنوار 43 : 31 | 38 .
2) الكافي 5 : 86 | 1 . وأمالي الطوسي : 660 | 1369 . والفقيه 3 : 169 . وبحار الأنوار 43 : 151 | 7 .
3) بحار الأنوار 43 : 50 | 47 . وروى نحوه ورّام في تنبيه الخواطر 2 : 230 ، مكتبة الفقيه ـ قم .


( 72 )

روى الخوارزمي بالاسناد عن الإمام الباقر عليه السلام عن أبيه علي بن الحسين عليه السلام أنّه ذكر تزويج فاطمة عليها السلام ثم قال : « إنّ فاطمة عليها السلام سألت من رسول الله خادماً ـ إلى أن قال : ـ ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ساحل البحر ، فأصاب سبياً فقسمه ، فأمسك امرأتين إحداهما شابة ، والاُخرى قد دخلت في السنّ ليست بشابة ، فبعث إلى فاطمة عليها السلام وأخذ بيد المرأة فوضعها في يد فاطمة عليها السلام وقال : يا فاطمة ، هذه لك ولا تضربيها ، فإنّي رأيتها تصلي ، وإن جبرئيل نهاني أن أضرب المصلين ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوصيها بها ، فلمّا رأت فاطمة عليها السلام ما يوصيها بها التفتت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقالت : يا رسول الله ، عليّ يوم وعليها يوم ، ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالبكاء وقال : الله أعلم حيث يجعل رسالته ( ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ) » (1) .
وفي الاصابة عن ابن صخر في فوائده وابن بشكوال في كتاب المستغيثين ، بالاسناد عن أمير المؤمنين عليه السلام ، قال : « إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخدم فاطمة ابنته جارية اسمها فضّة النوبية ، وكانت تشاطرها الخدمة . . . فقالت لها فاطمة عليها السلام : أتعجنين أو تخبزين؟ » فقالت : بل أعجن يا سيدتي وأحتطب . . » (2) .
وروى الطبري والراوندي بالاسناد عن سلمان رضي الله عنه قال : كانت فاطمة عليها السلام جالسة قدامها رحى تطحن بها الشعير وعلى عمود الرحى دم سائل ، والحسين في ناحية الدار يبكي من الجوع . فقلت : يا بنت رسول الله ، دبرت كفاك وهذه فضّة؟
فقالت : « أوصاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تكون الخدمة لها يوماً ، فكان أمس
____________
1) مقتل الحسين عليه السلام | الخوارزمي 1 : 69 .
2) الاصابة | ابن حجر 4 : 387 .
</B>

( 73 )

يوم خدمتها . . » (1) .

3 ـ تربية الأولاد :
اضطلعت الزهراء عليها السلام بمهمة اُخرى لا تقل عن مهمة مباشرتها لاَعمال المنزل ، تلك هي تربية الأولاد ، فقد وهبها الله كرامة أُمومة الأوصياء ، وأعطاها شرف الربط بين النبوة والإمامة ، وقد استطاعت أن تجني من نتاج تربيتها أقدس الثمار ، فكان الحسن السبط عليه السلام أول مولود لفاطمة عليها السلام حيث ولد في النصف من شهر رمضان عام ثلاثة من الهجرة ، ثم الحسين السبط الشهيد عليه السلام الذي ولد في الثالث من شهر شعبان عام أربعة من الهجرة ، وهما سيدا شباب أهل الجنة ، والإمامان إن قاما وإن قعدا .
وكان المولود الثالث زينب العقيلة عليها السلام بطلة كربلاء ، وكان مولدها في السنة الخامسة من الهجرة ، ثم ابنتها الثانية وهي السيدة أُمّ كلثوم عليها السلام وقد ولدت بعد اختها بعام واحد وقيل : بعامين (2) ، وابنها الأخير حملت به في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسمّاه قبل أن يولد محسناً ، لكنه أُسقط قبل ولادته عليه السلام فاستشهد مظلوماً بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأيام على إثر حوادث السقيفة والتي سنتعرض لبعضها في الفصل الأخير من هذا البحث .
لقد غرست الزهراء عليها السلام في نفوس أولادها خصال الخير ومكارم الأخلاق ومعالي الفضيلة ، وأرضعتهم مبادىء التوحيد والدفاع عن الحقِّ ، فقد روي أنها عليها السلام كانت ترقّص الحسن عليه السلام وهي تقول :
____________
1) دلائل الإمامة : 140 | 48 . والخرائج والجرائح 2 : 530 | 6 . وبحار الأنوار 43 : 28 | 33 .
2) وقد ذهب بعض الباحثين كالسيد عبدالرزاق المقرم الموسوي إلى أن أم كلثوم هي نفسها زينب العقيلة . وأن (أُمّ كلثوم) لقب من ألقابها ، بخلاف ما ذهب إليه الشيخ المفيد وغيره بأنّ أم كلثوم غير زينب عليهما السلام . راجع : مقتل الحسين عليه السلام | السيد عبدالرزاق المقرم .


( 74 )

أشبه أبـــــــاك يـا حسـن * واخلع عن الحقّ الرَّسن
واعبـد إلهـــــــــاً ذا منـن * ولا تُـوالِ ذا الإحــن (1)

ونشأ أولاد الزهراء عليها السلام في ظل رعاية الاُمّ سيدة النساء والأب وصي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم يحيطهم أشرف الأنبياء والرسل صلى الله عليه وآله وسلم بحنانه وعطفه وتربيته ، فكانوا خيرة البشرية وقدوة الإنسانية .
وحظي الحسن والحسين عليهما السلام بمساحة واسعة من حب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحنانه وعطفه ، فهما ريحانتاه يشمهما ويكثر من تقبيلهما ، ويحملهما على عاتقه ، ويضمهما إليه ، ويعوّذهما ، ويعلمهما القرآن ، ويلقنهما العلم والفصاحة والشجاعة والزهد والورع ، فاستوحيا رساليته وروحانيته وأخلاقيته ، وتجسدت فيهما شخصيته ، فكانا اختصاراً لجميع عناصرها الأخلاقية والروحية والإنسانية ، فصارا رمز الفضيلة والمروءة وقدوةً صالحة وخلقاً كريماً ، عملا بوصاياه وتعاليمه ، وجاهدا في سبيل دينه ومبادئه ، ونهضا من أجل إقامة الاصلاح في أُمته ، فكانا عليهما السلام مشعل نور وهداية في حياة الاُمّة .
ولقد حرّم الله سبحانه أولادها على النار كرامة لعفّتها وحصانتها ، وبياناً لمنزلتهم عند الله تعالى ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : « إنّ فاطمة أحصنت فرجها فحرّمها الله وذريتها على النار » (2) .
____________
1) مناقب ابن شهرآشوب 3 : 389 . وأعيان الشيعة 1 : 563 .
2) مستدرك الحاكم 3 : 152 . والمعجم الكبير 22 : 407 | 1018 . وحلية الأولياء | أبي نعيم 4 : 188 ـ دار الكتب العلمية . ومجمع الزوائد 9 : 202 . وعيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 63 | 264 .


( 75 )

قال الصبان : أخرج الطبراني بسند رجاله ثقات أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لفاطمة عليها السلام : « إنّ الله غير معذّبك ولا أحداً من ولدك » (1) .
وجاء في كثير من الروايات والأخبار أنّ ذلك خاص بأولادها دون سائر ذريتها ، منها ماروي بالاسناد عن محمد بن مروان ، قال : قلت لاَبي عبدالله عليه السلام : هل قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « إنّ فاطمة أحصنت فرجها فحرّم الله ذريتها على النار »؟ قال عليه السلام : « نعم ، عنى بذلك الحسن والحسين وزينب وأُمّ كلثوم » (2) .
قال حسّان بن ثابت :

وإن مريــــــم أحصنت فـرجها * وجـاءت بعيسى كبدر الدجـــى
فقد أحصنت فـاطمُ بعـدهــــــــا * وجاءت بسبطي نبيّ الهدى(3)


دورها في خارج المنزل :
إذا تجاوزنا دور الزهراء عليها السلام في إدارة أعمال المنزل وتربية الأولاد ، نرى أن سيدة النساء قد سجّلت عناوين مهمة وآفاق جديدة لدور المرأة المسلمة في مجمل النشاطات الاجتماعية والسياسية والحربية وغيرها ، ممّا يتناسب مع واقع وحاجات وظروف ذلك العصر .
فقد كانت تعلّم النساء ما يشكل عليهنّ من الأحكام الشرعية والمعارف
____________
1) إسعاف الراغبين : 181 ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت .
2) معاني الأخبار : 106 | 2 . وبحار الأنوار 43 : 231 | 3 .
3) مناقب ابن شهرآشوب 3 : 360 .


( 76 )

الإلهية الضرورية ، وكان يغشاها نساء المدينة وجيران بيتها (1) ، ويبدو أن بيتها كان المدرسة النسائية الاُولى في الإسلام ، حيث تقبل عليها النساء طالبات للعلم ، فيجدن فاطمة العالمة وهي تستقبلهنّ بصدر رحب لا يعرف الملالة والسأم .
عن الإمام العسكري عليه السلام قال : « حضرت امرأة عند الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام فقالت : إنّ لي والدة ضعيفة ، وقد لبس عليها في أمر صلاتها شيء ، وقد بعثتني إليك اسألك ، فأجابتها فاطمة عليها السلام عن ذلك ، فثنّت فأجابت ، ثم ثلّثت إلى أن عشّرت فأجابت ، ثم خجلت من الكثرة ، فقالت : لا أشقّ عليك يا ابنة رسول الله . فقالت عليها السلام : هاتي وسلي عمّا بدا لك . . . إنّي سمعت أبي يقول : إنّ علماء أُمّتنا يحشرون فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم وجدّهم في إرشاد عباد الله ، حتى يخلع على الواحد منهم ألف ألف حلّة من نور . . . » (2) .
وعنه عليه السلام قال : « قالت فاطمة عليها السلام وقد اختصمت إليها امرأتان ، فتنازعتا في شيء من أمر الدين ، إحداهما معاندة ، والاُخرى مؤمنة ، ففتحت على المؤمنة حجتها ، فاستظهرت على المعاندة ، ففرحت فرحاً شديداً ، فقالت فاطمة عليها السلام : إنّ فرح الملائكة باستظهارك عليها أشدّ من فرحك ، وإنّ حزن الشيطان ومردته أشدّ من حزنها . . . » (3) .
ومما وصل إلينا من خطبها للنساء ، خطبتها بنساء المدينة في مرض موتها ، وهي غاية في الفصاحة والمعرفة ، وسنوردها في آخر هذا البحث إن

____________
1) شرح ابن أبي الحديد 9 : 193 .
2) بحار الأنوار 2 : 3 | 3 .
3) بحار الأنوار 2 : 8 | 15 .


( 77 )

شاء الله تعالى .
ولم تقتصر في تعليمها على النساء ، بل كانت عليها السلام تطرف القاصدين إليها بما عندها من العلم والمعرفة ، فعن ابن مسعود ، قال : جاء رجل إلى فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : يا ابنة رسول الله ، هل ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندك شيئاً تطرفينيه ، فقالت : « يا جارية ، هاتي تلك الحريرة » فطلبتها فلم تجدها ، فقالت : « ويحك اطلبيها ، فانها تعدل عندي حسناً وحسيناً » فطلبتها فإذا هي قد قمّتها في قمامتها ، فإذا فيها : « قال محمد النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ليس من المؤمنين من لم يأمن جاره بوائقه . ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره . ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو يسكت . إنّ الله يحبّ الخيّر الحليم المتعفّف ، ويبغض الفاحش الضنين السَّئآل الملحف . إنّ الحياء من الإيمان ، والايمان في الجنة ، وإن الفحش من البذاء ، والبذاء في النار » (1) .
وكان للزهراء عليها السلام مشاركة فعّالة ومؤثّرة في الدعوة إلى الله تعالى في مواقع مختلفة أهمها المباهلة مع النصارى ، ونزل فيها قرآن يتلى إلى يوم القيامة (
ونساءنا ونساءكم
) (2) فكانت سيدة النساء عليها السلام هي المختصة بهذا الفضل ولم يشركها فيه أحد من نساء الاُمّة .
وكانت الزهراء عليها السلام معيناً للمحتاجين من أبناء المجتمع الإسلامي آنذاك ، تنفق في سبيل الله وتعتق الرقاب وتعين الضعفاء ، فقد توافق أغلب المفسرين على نزول قوله تعالى : (
ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً
____________
1) المعجم الكبير 22 : 413 | 1024 . ودلائل الإمامة : 65 | 1 . وقطعة من حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في صحيح البخاري 8 : 19 | 48 و 49 . وصحيح مسلم 1 : 68 | 75 و 77 . ومصابيح السُنة | البغوي 3 : 169 دار المعرفة ـ بيروت . والكافي 2 : 667 | 6 . والزهد | الحسين بن سعيد : 6 | 10 ، و 10 | 20 عن الإمام الصادق عليه السلام المطبعة العلمية ـ قم .
2) سورة آل عمران : 3 | 61 .


( 78 )

ويتيماً وأسيراً * إنّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً ) (1) في أهل البيت عليهم السلام علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام حينما تصدقوا رغم خصاصتهم على المسكين واليتيم والأسير (2) .
أخرج ابن شهرآشوب عن ابن شاهين في (مناقب فاطمة عليها السلام ) وأحمد في مسند الأنصار عن أبي هريرة وثوبان أنّها عليها السلام نزعت قلادتها وقرطيها ومسكتيها ـ أي سواريها ـ ونزعت ستر بيتها ، فبعثت به إلى أبيها صلى الله عليه وآله وسلم وقالت : « اجعل هذا في سبيل الله » فلمّا أتاه قال صلى الله عليه وآله وسلم : « قد فعلت فداها أبوها ـ ثلاث مرات ـ ما لآل محمد وللدنيا ، فإنّهم خلقوا للآخرة ، وخلقت الدنيا لغيرهم » وفي رواية أحمد : « فإنّ هؤلاء أهل بيتي ، ولا أُحب أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا » (3) .
وعن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال : « أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذينك السوارين فكسّرا فجعلهما قطعاً ، ثمّ دعا أهل الصُّفّة ـ وهم قوم من المهاجرين لم يكن لهم منازل ولا أموال ـ فقسّمه بينهم قطعاً ، ثم جعل يدعو الرجل منهم العاري الذي لا يستتر بشيء ، وكان ذلك الستر طويلاً ، ليس له عرض ، فجعل يؤزّر الرجل ، فإذا التقيا عليه قطعه حتى قسّمه بينهم أُزراً . . . ثم قال