الشهادة والشهيد
والشهادة في منهجنا العلمي لها مفهوم خاص وهو: أن الإنسان من حيث تكوينه هو مزيج من نزعات ربانية وأخرى شيطانية، من "حمأ" وروح، ثم هو خليط من "أسمى السمو" و"أقصى الانحطاط". أما تأثيرات الدين والعبادة والرياضة الروحية وفعل الأخير فهي لصالح السمو وردع عناصر الإنحطاط وإضعاف للنـزعات الشيطانية لصالح النـزعات الإلهية... وأما الشهادة، فهي عمل مفاجىء يُحدِث تحوّلاً ربانياً في الجانب الحقير والمنحط من الإنسان إثر عملية توهج واحتراق في نار العشق والإيمان، ليصبح ذلك الإنسان طاقة نورانية إلهية محضة.
من هنا، كان الشهيد لا يُغسّل ولا يُكفّن، ولا يحاسب يوم القيامة، لأن ذنوبه كانت قبل الشهادة وهو ضحى قبل أن يموت و"حضر الآن". لذلك كان الحسين(ع) ليلة العاشر من محرم يتنظّف ويستحم ويلبس أفضل الثياب ويسكب أفضل الطيب، وكان في أشد ساعات القتل والدم والإبادة والتأهب للموت وتكدّس أجساد الشهداء من حوله، تتلألأ ملامحه وتضيء أساريره ويخفق قلبه بشوق أكبر لأنه يعلم أن ثمة فاصلاً قليلاً بينه وبين الحضور، لأن الشهادة حضور أيضاً.
ثم أنّ الشهادة تختلف في نظرنا عما هي عليه في تاريخ الأمم من أنها مصير محتوم بالموت للبطل (تراجيديا). الشهادة في قاموسنا "درجة" فهي ليست وسيلة إنما هي هدف، إنها أصالة وتكامل وسمو، إنها مسؤولية كبرى وصعود من أقصر الطرق إلى معارج الإنسانية، إنها منهج، وفي جميع العصور، إذا ما هُددت عقيدة بالإنهيار، فإن أنصارها يدافعون عنها بالجهاد ويضمنون استمرارهم واستمرارها بقوة الدفاع والنضال، أما إذا عجزوا عن المقاومة ولم يمتلكوا وسائل الدفاع وضعفت لديهم الإمكانيات، فإنهم سيحافظون على إيمانهم وعزتهم ومستقبل تاريخهم "بالشهادة". فالشهادة دعوة لكل الأجيال في كل العصور، إذا استطعت إنتزع الحياة وإلاّ فقدتها!
علي شريعتي