لايزال الكاتب المبدع غسان كنفاني يتمتع بحضور ضخم في الذاكرة العربية بإرثه الادبي وبفنه وسلوكه النضالي .
يكفي أن نذكر حملات الاستنكار في العام الفائت ضد الكاتبة السورية غادة السمان التي اعترفت بعلاقة عاطفية نشأت بينهما في الخفاء , حتى تتضح لنا مكانته البارزة بين أعلام الادب الفلسطيني الحديث .
وكتابه الأدب الصهيوني الذي نعرضه هنا يمثل فكره السياسي بأكثر مما يمثل موقفه الفني من القضايا الأدبية والنقدية التي كادت تغيب في زحمة انفعالاته السياسية غير المتروية .
وإذا كنا نقوم اليوم بمراجعة ماجاء في هذا الكتاب من النقاط رغم مرور سنوات طويلة عليها , فلإدراكنا لخطورتها بعد انبعاث شرارتها في مناهج الدراسات اليسارية والدينية المتطرفة في العالم الإسلامي , التي تعتمد في أغلب الاحيان على فرض الأحكام القسرية وعلى نبذ الحقائق الموضوعية والتخلي عن الروح العلمية .
وكان الهدف من وضع كتاب الأدب الصهيوني في رأي أنيس صايغ هو: أن يبين العلاقة المتينة القائمة بين السياسة وبين الأدب في الحركة والعمل الصهيونيين .. وأن يتتبع مسيرة الادب الصهيوني طوال فترة واسعة من الزمن تسبق ظهور الصهيونية المعاصرة بعدة قرون .
أما عند غسان كنفاني فهو : أن يلقي ضوءاً على الشعار الصعب اعرف عدوك .
وإذا كان أنيس صايغ ألمع الى العلاقة بين الأدب والسياسة فليس من منطلق الرفض لهذه العلاقة كقضية أدبية , فهو لوأراد ذلك لهدم ركناً بارزاً من أركان الأدب الفلسطيني الحديث الذي يرتكز على السياسة . , وإنما من منطلق أحادي النظرة ينكرُ على الأدب العبري قديمه وحديثه أن تنشأ له علاقة بالسياسة كغيره من آداب الأمم الأخرى . ولكي ينقذ نفسه من تهمة التحامل يلجأ الى التبرير الأخلاقي فيزعم أن الأدب العبري إنما يعبر عن الصهيونية ولان الصهيونية في رأيه حركة قائمة على التعصب والعرقيةولانها تمارس أكبر وأوسع عملية تضليل وتزوير تتأتى عنها نتائج في منتهى الخطورة وجب أن يُوجّه إليها إصبعُ الإتهام .
وقد حاول غسان كنفاني في مقدمته للكتاب أن يرسم انطباعاً حسناً في ذهن القارئ حول موضوعية نقده والتزامه بقواعده النزيهة ماوسعه الالتزام فقال:
تحاول هذه الدراسة أن تتجنب السقوط في خطر احتمالين لابد من وجودهما في ظروفها الاول : هو أن لاتحاول التعميم والثاني : هو أن لاتسوقها حقيقة أنها طرف في الصراع الى نسيان الحد المطلوب من موضوعيتها .
فلننظر الآن إلى أي حدِّ استطاعت دراسته أن تتجنب هذا الخطر ؟ في فصولها الثمانية التي نعرضها بإيجاز ؟ :
1- الصهيونية تقاتل على جبهة اللغة
في البداية سيقوم الكاتب برفض الوجود القومي لليهود لكي لايسمح لأية رابطة فيما بينهم - ولو توفرت - أن تكون علامة من علامات هذا الوجود أو مسوّغاً لتكوين دولة مستقلة شرعية :
فطوال ألفي سنة تقريباً كفت اليهودية عن كونها رابطة قومية وفقدت كل العناصر التي يشكل مجموعها قومية ما . فلم يكن ثمة رابطة جغرافية ولاحضارية ولااقتصادية ولاثقافية ولاسياسية بين يهود العالم .. وقبل ذلك لم يكن يوجد بالطبع أية علاقة عرقية .
وعلى هذا فإن اللغة العبرية وإن ظلت حية عبر هذه السنين لاينبغي ان يكون لها شأن يذكر على صعيد الوجود القومي خلافاً للعربية أو غيرها من اللغات . لأن اليهودية دين والعبرية هي لغة هذا الدين فلا يحق لها إذاً أن تتجاوز حدود الدين المرسومة لها :
كانت اللغة العبرية في الحقيقة الخيط الواهي الوحيد الذي يربط بين اليهود في توزعهم على عرض العالم ولكن حتى هذا الخيط كان وجها من وجوه العلاقة الدينية وليس من وجوه العلاقة القومية
والدليل على هذا شاهد تاريخي من حياة اللغة العبرية عبر العصور وهو أن أدباء اليهود في الماضي تجنبوا استعمال العبرية إلا في شؤونهم الدينية :
واختاروا لغة المجتمع الذي كانوا يعيشون فيه لكتابة مؤلفاتهم الفلسفية والفكرية والأدبية .. وكان هذا الاختيار دليلا على حالة طبيعية للغة العبريةالتي فقدت من دون مبرر أهميتها كرابطة قومية .
هاهو يهودا بن هليفي الذي ولد في الأندلس يختار لكتابة مؤلفه " الحجة والدليل في نصرة الدين الذليل " اللغة العربية بينما نراه يكتب قصائده الدينية باللغة العبرية .
ومثله أيضاً سليمان بن غابيرول الذي سيختار العربية - لغة مجتمعه - لكتاباته الفكرية بينما يترك العبرية لتعبر عن أشواقه الدينية . وكذلك الفيلسوف المعروف ابن ميمون وأعلام اليهود في العصر الحديث أمثال هايني .. فرويد .. يائيل دايان .
وبسبب وقوع الكاتب تحت تأثير حكمه الايديولوجي المتطرف - نفي القومية اليهودية بأي ثمن - وبسبب تسرعه المتوارث عن اشتغاله بالصحافة لن يكلف نفسه عناء البحث عن الأسباب والظروف التي ألمّت باليهودي فاجبرته على استخدام لغة مجتمعه .
ولقد كانت هذه الظروف شديدة على اليهودي كما نعلم ولكنها مع ذلك لم تستطع أن تقضي على حنينه الى لغته الأم ولم تحل دون اعتزازه بها يقول ابن ميمون في وصيته لأبنه معبراً عن تحسره لضياع لغته منه معتبراً ذلك إثماً يرتكب بحق شعبه : يابني ! إنني اعرف الخطيئة التي ارتكبها بحق شعبي وإنني اصلي الى الله أن يُعاد المقالُ الى أصحابه الشرعيين .. وأن تترجم كتبي الى لغة اللسان المقدس .
ويشكو يهودا بن هليفي في قصيدته " قلبي في المشرق " من القيود العربية ويبثُّ حنينه الى صهيون رمز القومية اليهودية قائلاً :
تستلقي صهيون تحت جنة عدن وأنا مغلّلٌ هنا بالقيود العربية .
أما هاينريش هايني فقد بلغ من اعتزازه باللغة العبرية أن جعلها : مفتاح الصندوق الذي يضم أغلى الكنوز .
ومن المؤسف ألا يرى الكنفاني في اعتزاز اليهودي بلغته غير حالة شعورية خاصة تنبثق عن الوجد الديني , وألا يرى في تطلع اليهودي الى إحياء لغته غير تحريف للحقائق التاريخية من قبل " آلة جهنمية " هي الصهيونية :
وتضغط الصهيونية بكل ثقلها لاستنتاج معان قومية لللغة التي كان اليهود يعتزون بها اعتزازهم بلغة دين مقدسة فقط
أما إذا جرى الحديث عن الظروف التي فرضتْ على المغاربة استعمال الفرنسية وجرى الحديث عن حركة التعريب مثلا فلن يتوانى الكنفاني رحمه الله عن إيجاد المبررات والأعذار والضرورات والموجبات , فالعربية لغة الله وهي بلاريب تتسع لكل شأن من شؤون الحياة .